fraud, fake, money

واقع السرية المصرفية في ظل مكافحة جريمة تبييض الأموال

جاء إقرار قانون “السرية المصرفية” عام ١٩٥٦ ليكرّس دور لبنان كفرصة ذهبية لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية وبصورة خاصة رساميل الدول العربية وعائدات الذهب الأسود. انعكس إقرار هذا النظام ايجابا على استقرار المناخ الإقتصادي انذاك وتقوية القدرة الإئتمانية وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي مشكلا بذلك منصة خصبة لرجال المال والاعمال وأصحاب المشاريع الكبرى.

إلا أنه في ظل ثورة الإتصالات وعولمة الاقتصاد العالمي، أصبحت الصفقات والمعاملات المالية تنفّذ عبر قنوات مالية وإلكترونية وأصبح انتقال رؤوس الأموال عبر الدول أكثر يسرًا وسرعة. مما أفسح المجال أمام أصحاب النفوذ وأصحاب الرساميل الكبرى وحتى المتوسطة والصغرى الإستفادة من الانفتاح الاقتصادي والإجتماعي والسياسي للدول، مسخرين بذاك التطورات التكنولوجية الحديثة لخدمة مآربهم الجرمية. فعمدوا الى استعمال التقنيات المتطورة جدا واستخدام القنوات المصرفية المتشددة بعدم رفع السرية المصرفية عن الحسابات المودعة لديها للقيام بعملية تبييض أموالهم القذرة وشرعنتها تحت غطاء قانوني. وعُرفت هذه العمليات “بجرائم تبييض الأموال” التي انضوت تحت إطار الجرائم الدولية المالية المنظمة العابرة للحدود.

 فما هي جريمة تبييض الأموال؟ وما هو القانون المرعي بمكافحتها ؟ وهل من تأثير لهذا القانون على نظام السرية المصرفية المطبق في لبنان؟ واخيرا ماذا بقي من نظام السرية المصرفية في ظل الظروف الراهنة؟

مما لا شكّ فيه أن نظام السرية المصرفية في لبنان، تمتّع بميزات مهمة، لمصلحة عملاء المصارف تمثلّت بحمايتهم من الإطّلاع على حساباتهم، والمحافظة على سريّة حياتهم الشخصية والاقتصادية والإجتماعية. فما هي السرية المصرفية؟

ماهية السرية المصرفية

تتمثل السرية المصرفية في لبنان بالموجب الملقى على عاتق الموظفين والمديرين في المصارف التي تتخذ شكل شركات مغلقة سواء أكانت لبنانية أم أجنبية ولها فروع في لبنان. ويتحقق هذا الموجب في الامتناع عن إفشاء السر المهني المتصل بزبائنهم وعملائهم في ما يتعلق بحركة حساباتهم سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو عسكرية أو مالية (المادة ٣ من قانون السرية المصرفية). كما يندرج السر المصرفي بمعناه القانوني الدقيق في إطار سر المهنة بالموجب الملقى على عاتق المصرف بعدم افشاء الأسرار المصرفية المتعلقة بزبائنه والتي آلت إليه بحكم وظيفته أو بمعرض قيامه بهذه الوظيفة، وهذا الموجب فرضته نصوص عامة كنص (المادة ٥٧٩ من قانون العقوبات اللبناني).

حالات رفع السرية المصرفية

ترفع السرية المصرفية عن الحسابات في حالات محددة حصرا في القانون، وهي:

  • إذن العميل أو ورثته خطيا.

  • صدور حكم بإشهار إفلاس العميل

  • وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية(المادة ٢من قانون السرية المصرفية).

  • توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الادارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات، وذلك وفق المادة ١٥معطوفة على المادة ١٣ من القانون الرقم ٢ تاريخ ١٦/١/١٩٦٧، المتعلق باخضاع المصارف التي تتوقف عن الدفع لأحكام خاصة.

  • الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.(مادة ٦ من قانون السرية المصرفية)، والتي ستكون موضوع بحثنا.

كون المصرف احدى الوسائط الرئيسة لعملية تبييض الاموال وايضا المعني بتطبيق السرية المصرفية، فكيف التوفيق بين الحفاظ على السرية المصرفية ومكافحة جرائم تبييض الأموال التي تتم عبرهذه القنوات المصرفية؟

تمثلت أبرز المنظمات الدولية المعنية بمكافحة تبييض الاموال وتمويل الإرهاب بجموعة العمل المالي الدولية لمكافحة تبييض الأموال المعروفة بـ GAFIإلى جانب لجنة بازل. أما على الصعيد الداخلي فقد إتّخذت السلطات الحكومية والمصرفية في لبنان إحتياطات متعدّدة ومنها على سبيل المثال اتفاقية الحيطة والحذر إلى جانب إقرار قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب رقم ٤٤/٢٠١٥ الذي اعتبر أحد أهم ركائز محاربة الفساد والجرائم المالية العابرة للحدود. وهو قانون حديث وفق المعايير الدولية، جاء ليعدّل القانون السابق رقم ٣١٨/٢٠٠١ ويحلّ مكانه. وكما صدر نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المرفق بتعميم مصرف لبنان الأساسي رقم ٨٣ تاريخ ١٨/٠٥/٢٠٠١ وتعديلاته.

تعريف جريمة تبييض الأموال

إن جريمة تبييض الأموال هي العملية  التجارية أو المصرفية أو العقارية الذي  يسعى الفاعل من خلالها إلى إخفاء أو تمويه المصدر الحقيقي للأموال التي تم الحصول عليها بطريقة غير شرعية من نشاطات إجرامية (كالفساد الرشوة الارهاب، السرقة، الاختلاس، الاتجار بالمخدرات…) وغيرها من النشاطات غير المشروعة (المادة ١ قانون ٤٤/٢٠١٥). وبالتي فإن إدانة أي شخص باحدى هذه الجرائم تتطلّب مصادرة الأموال الناجمة عنها لمصلحة خزينة الدولة أي إسترداد الأموال غير المشروعة (المادة ١٤ القانون ٤٤/٢٠١٥).

وقد عرّفت المادة (٢) من قانون رقم ٤٤/٢٠١٥، تبييض الأموال على الشكل التالي: “يعتبر تبييض أموال كل فعل يقصد منه:

  1. إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو إعطاء تبرير كاذب لهذا المصدر، بأي وسيلة كانت، مع العلم بأن الأموال موضوع الفعل غير مشروعة.

  2. تحويل الأموال أو نقلها، أو إستبدالها، أو توظيفها لشراء أموال منقولة أو غير منقولة، وللقيام بعمليات مالية بغرض إخفاء أو تمو يه مصدرها غير المشروع، أو بقصد مساعدة أي شخص متورّط في إرتكاب الجرم، على الإفلات من الملاحقة مع علمه بأن الأموال موضوع الفعل غير مشروعة.”

تفترض جريمة تبييض الأموال وقوع جريمة أخرى أصلية سابقة عليها والتي ينتج عن إرتكابها أموال غير مشروعة سواء حصلت في لبنان أم خارجه. إلا أنها تبقى جريمة مستقلة لا تستلزم الإدانة بجرم أصلي، أي إمكانية ملاحقة الفاعل ومعاقبته بجرم تبييض الأموال، ولو كان فاعل الجريمة الأصلية غير معاقب لتوافر موانع المسؤولية الجزائية في حقه.

مراحل تبييض الأموال

يتناول التبييض سلسلة من العمليات المتعدّدة التي تُستخدم لإخفاء مصدر الأموال غير المشروعة، وذلك من خلال إدخالها في الدورة الإقتصادية بحيث يصعب تبيان الصلة التي تربطها بالأعمال الجرمية. ويمكن تصنيف هذه العمليات في فئات ثلاث:

  • التوظيف: هو عملية وضع الأموال التي جُنيت بطرق غير مشروعة في أحد المصارف أو المؤسسات المالية.

  • التجميع: هوعملية إخفاء آثار عائدات العمل الجرمي وفصلها عن مصدرها غير المشروع من خلال استخدام تراكم العمليات المالية المعقّدة.

  • الدمج: هو عملية إدخال الأموال التي تم غسلها في قنواة الإقتصاد مرة أخرى بطريقة شرعية وقانونية من خلال نشاطات وإستثمارات إقتصادية تؤدي إلى محو مصدرها غير المشروع فتندمج مع غيرها من الاموال بحيث يصعب بعدها تمييز مصدرها.

مؤشرات على حدوث عمليات تبييض أموال عبر الأدوات المصرفية على سبيل المثال (مادة ٩ من نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)

  • وجود زيادة واضحة في الإداعات النقدية في الحسابات الفردية الشخصية أو المتعلقة في الشركات دون وجود دلالات ظاهرة تبرزها.

  • فتح حساب جديد مع إعطاء معلومات غير كافية أو مضللة من قبل العميل.

  • العملاء الذين يقومون بتسطير حوالات مالية ضخمة إلى بلد آخر مع تعليمات بالدفع نقدا للمستفيد.

الجهة المخوّلة لرفع السرية المصرفية عند ورود الشبهات حول عمليات مصرفية

إن “هيئة التحقيق الخاصة” هي وحدة الاخبار المالي اللبنانية تتمتّع بالإستقلالية التامة والطابع القضائي لإجراء التحقيقات في العمليات المالية التي يُشتبه بها بناءا على تلقيها التبليغات. فتتحقق من مصادر الأموال والحسابات المصرفية وتقرر مدى جدّية الأدلّة والقرائن على إرتكاب أي من الجرائم المذكورة في (المادة ١ قانون ٤٤/٢٠١٥).

ويعود لهيئة التحقيق الخاصة “وحدها” صلاحيّة إتخاذ القرارات برفع السرية المصرفية والتجميد الإحترازي المؤقّت كما النهائي لأرصدة الحسابات أو العمليات المالية المشتبه بها، ولها الطلب من النائب العام التمييزي إتخاذ إجراءات إحترازيّة في ما يتعلّق بالأموال المنقولة وغير المنقولة التي لا يورد بشأنها أي سجلات وذلك لتقييد التصرف بها. وتقوم بالمهام المحدّدة لها دون الحاجة لأي ترخيص أو إذن (م٦ قانون ٤٤/٢٠١٥). وتكمن مهمّة هيئة التحقيق الخاصة بتتبّع عملية الأموال ومخابرة السلطات اللبنانية أو الأجنبية كافة من قضائية وإدارية ومالية وأمنية بغية طلب المعلومات دون الاعتداد من قبلهم  تجاه الهيئة بأي موجب سرية (مادة ٩ قانون ٤٤/٢٠١٥). والجدير بالذكر أن قرارات هيئة التحقيق الخاصة لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة.

كذلك وسّع القانون رقم ٤٤/٢٠١٥ الجهات المُلزمة بإبلاغ “هيئة التحقيق الخاصة” عند قيامهم بمهامهم ضمن أصول وإجراءات معينة، عن تفاصيل العمليات المالية التي يشتبهون بها تتعلق بهذا القانون، لتشمل المحامين وخبراء المحاسبة المجازين وكُتّاب العدل، وأضاف القانون أيضاً إجراءات العناية الواجبة التي تُسهم في تعزيز المعايير المهنية والأخلاقية، وتمنع إستغلال هذه الجهات لدخول أموال مشبوهة أو غير مشروعة.

العلاقة بين السرية المصرفية ومكافحة جريمة تبييض الأموال

يرى بعض الفقهاء ورجال القانون أن رفع السرية المصرفية بصورة ضيقة ومحصورة لمصلحة هيئة التحقيق، نتج عنه عدم إمكانية إحتماء المجرمين أي مبيضي الأموال، بالسرية المصرفية للحؤول دون كشف عملياتهم. وبالتالي لا لزوم لتقليص مساحة السرية المصرفية، لحاجات مكافحة تبييض الأموال وذلك لأن آلية رفع السر ية المصرفية، عند الإقتضاء، أثبتت فاعليتها. مما يعني أن السرية المصرفية شبه المطلقة في لبنان، لا تتعارض مع مكافحة تبييض الأموال.

إلا أنه اعتبر البعض الاخر ان التمسك بالسرية المصرفية يشكل بيئة مغرية لاجراء عمليات تبييض الاموال غير المشروعة عبر المصارف، خاصة إذا تجاهل المصرف سهوا أو عمدا السؤال عن مصادر الاموال المودعة لديه أو تورط في في تسهيل عمليات تبييض أموال. وعلما أن هيئة التحقيق الخاصة هي السلطة الوحيدة المخولة برفع السرية المصرفية وقرارتها غير قابلة للطعن ما أثار التساؤل عند البعض حول ما مدى شفافيتها وحيادتها. مما يعني أن السرية المصرفية شبه المطلقة في لبنان، تقف كعائق ضمني أمام مكافحة تبييض الأموال.

 

من المعلوم والثابت أن الاقتصاد اللبناني اليوم يرزح تحت اعباء كبيرة وخطرة كتضخم الدين العام يوما بعد يوم وضيق سبل إيفائه، ناهيك عن أزمة أموال المودعين في البنوك والعقبات التي تقف أمام إسترداد  الاموال المنهوبة إلى جانب تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وضعف مقومات الانتاج والاستثمارت المحلية والدولية.

إزاء هذا الواقع المالي والاقتصادي الصعب تنشط الجرائم المالية المنظمة متخذة أشكالاً متطورة، مستفيدة من التقنيات الحديثة في وسائل الدفع والخدمات المصرفية عبر تحويرها إلى ملاذ آمن للاموال الملوثة غير المشروعة ومستغلة بذلك الوضع المتردي للبلاد وموقف لبنان الضعيف تجاه الضغوطات الدولية. إلا أنه لا ننكر الدور الرائد الذي لعبه قانون ٤٤/٢٠١٥ ممثلا بهيئة التحقيق الخاصة في مجال ملاحقة المجرمين ومصادرة الاموال التي جنوها بنتيجة نشاطهم الجرمي. ولكن ما ينقصنا حقا في هذا الإطارهو تحقق الترجمة العملية الفعلية لهذا القانون بتحقق مبدأ فصل السلطات والتجرد من الضغوطات السياسية وفتح أقصى سبل التعاون الدولي المستمر وصولا لمكافحة الفساد بطرق فعالة وشفافة وضمان سيادة الدولة والقانون.

وأخيرا يعترينا التساؤل حول الغاية الحقيقية من إقرار قانون رقم٢٠٠/٢٠٢٠ المعني بتعليق العمل بالسرية المصرفية لمدة سنة واحدة في كل ما يتعلق بعمليات التحقيق الجنائي على كل الحسابات التي تدخل في عميات التدقيق المالي. فإن أسلمنا الجدل بفاعلية هذا القانون هل أن سنة واحدة كافية لإجراء وإتمام التدقيق الجنائي؟ بالإضافة إلى ذلك ألا يشكل هذا القانون إعترافا ضمنيا  باضمحلال الغاية الاساسية التي وجدت لأجلها السرية المصرفية ألا وهي إجتذاب الرساميل والإستثمارات الخارجية؟ وأوليس مجرد إقرار هذا القانون هو إثبات بوقوف السرية المصرفية كعائق أمام كشف مصادر الاموال غير المشروعة وفاعليها ؟

ألم يحن الأوان للإلغاء المطلق للسرية المصرفية التي لم تعد تخدم مصالح ومستجدات العصر الحالي المعوّم بالفساد المستشري؟ أم نحن فقط بحاجة إلى تعديل بعض القوانين كالسماح بالطعن بقرارات هيئة التحقيق الخاصة وإعطاء القضاء صلاحية رفع السرية المصرفية وغيرها من التعديلات؟

قائمة المراجع :
  1. الأشقر منى، جبور محمود، تبييض الأموال والإرهاب، مكافحة الجريمة عبر القنوات المالية، IDREL، 2003

  2. سليمان خالد، تبييض الأموال جريمة بلا حدود دراسة مقارنة، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2004

  3. مرقص بول، بين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والحفاظ على السرّية المصرفيّة في لبنان: التوفيق بين متناقضات والسِباق مع الجريمة، منشورات مجلس النواب اللبناني، 2009

  4. يشوعي إيلي، قانون الاعمال المدني والتجاري والجزائي، المنشورات الحقوقية صادر، 2011

  5. بدران علي، قانون مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب ودوره في مكافحة الفساد واسترداد الاموال المنهوبة، الحوارنيوز، 2020

باميلا فرانسيس
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *