مواضيع متفرّقة في قانون العقوبات اللبناني

ما هي الصلاحية الإقليمية؟

 إن قانون العقوبات يحكم الجرائم التي تقع في النطاق المكاني لنصوصه. ولتحديد نطاق تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان إعتمد المشرع على عدة مبادئ أولها إقليمية قانون العقوبات. والمقصود بذلك تطبيق الشريعة الجزائية على جميع الجرائم الواقعة داخل إقليم الدولة بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه. 

تطبيقاً لذلك، تنص المادة ١٥ من قانون العقوبات اللبناني (ع.) على أنه “تطبق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الأرض اللبنانية. تعد الجريمة مقترفة في الأرض اللبنانية: 

١- إذا تم على هذه الأرض أحد العناصر التي تؤلف الجريمة، أو فعل من أفعال جريمة غير متجزئة أو فعل إشتراك أصلي أو فرعي. 

٢- إذا حصلت النتيجة في هذه الأرض أو كان متوقعاً حصولها فيها”. 

 إستناداً إلى ذلك، يقتضي لتطبيق الصلاحية الإقليمية تحديد النطاق الإقليمي اللبناني أولاً ليصار ثانياً إلى تحديد كيفية وقوع الجريمة أو أحد عناصرها داخل هذا النطاق. 

 أولاً، يمكن تقسيم النطاق الإقليمي اللبناني إلى الإقليم الطبيعي والإقليم الإعتباري. 

فالأول يتمثل “بالجزء من الكرة الأرضية الذي تمارس الدولة اللبنانية عليه سيادتها[1]” والمكوَّن من الإقليم الأرضي، البحر الإقليمي والإقليم الجوي. 

الإقليم الأرضي هو مساحة الأراضي التي تنبسط عليها سيادة الدولة اللبنانية كما هي محددة جغرافياً وبالحدود المعينة في المادة الأولى من الدستور. يجب الإشارة هنا إلى أن مقر السفارات والقنصليات الأجنبية المعتمدة في لبنان تدخل في نطاق الإقليم الأرضي وتخضع للصلاحية الإقليمية وتكون الجرائم المرتكبة داخل هذه السفارات مرتكبة في الإقليم الوطني ويعود أمر النظر بها إلى القضاء الوطني[2]

أما البحر الإقليمي فهو الجزء من البحر الذي يمتد إلى مسافة ١٢ ميلاً بحرياً من الشاطئ إبتداءً من أدنى مستوى الجزر. 

والإقليم الجوي يشمل طبقة الهواء التي تعلو الإقليم الأرضي والبحر الإقليمي (مادة ١٦ و ١٧ فقرة ٢ ع.). 

بالنسبة إلى الإقليم الإعتباري، فهو يشمل: السفن والطائرات اللبنانية، الأرض الأجنبية التي يحتلها الجيش اللبناني إذا كانت الجرائم المقترفة تنال من سلامة الجيش أو من مصالحه، المنطقة المتاخمة والمنطقة الإقتصادية المانعة والجرف القاري والمنصات الثابتة في هذا الجرف القاري (مادة ١٧ فقرة ٣-٤-٥ ع.). 

 

  ثانياً، تطبق الشريعة اللبنانية إستناداً إلى الصلاحية الإقليمية إذا وقعت الجريمة كلياً أو جزئياً داخل النطاق الإقليمي اللبناني. وعليه، تعتبر الجريمة واقعة في لبنان في حال:

١- وقوع الجريمة أو ركنها المادي بكامله في لبنان، كأن يطلق المجرم الرصاص على خصمه داخل الإقليم قاصداً قتله فيموت فيه.

٢- وقوع أحد عناصر الركن المادي في لبنان، كأن يعطي المجرم ضحيته سماً في لبنان لكنه يموت في دولة أخرى، أو أن تحصل مناورات احتيالية في الخارج ثم يستولى على المال في لبنان. 

٣- وقوع فعل من أفعال جريمة غير متجزئة في لبنان، كوضع الجريمة المستمرة (خطف الأشخاص، حيازة سلاح غير مرخص) والجريمة المتتابعة (ضرب المجني عليه عدداً من الضربات، بعضها في الخارج والبعض الآخر في لبنان)  وجريمة الإعتياد (جريمة المراباة) والجريمة المركبة (جريمة الإحتيال). 

٤- وقوع فعل إشتراك أصلي (شريك في الجريمة أو محرض عليها) أو فرعي (متدخل) في لبنان. 

٥- وقوع النتيجة في لبنان أو توقع حصولها فيه، كإعطاء شخص لآخر سماً في الخارج متوقعاً وفاته في لبنان عند وصوله ولكن النتيجة لم تتحقق لإسعافه هنا. 

إلا أن المادة ١٨ ع. نفت تطبيق القانون اللبناني على الجرائم المقترفة على متن السفن أو الطائرات الأجنبية أثناء وجودها في البحر الإقليمي أو الإقليم الجوي اللبناني إذا لم تجاوز الجريمة شفير أو حدود السفينة أو الطائرة. فلو وقعت جريمة قتل داخل الطائرة أو السفينة الأجنبية، لا تطبق الشريعة اللبنانية وإن كانت الطائرة أو السفينة داخل الإقليم اللبناني. إلا أن الأمر يختلف في حال ألقي بجثة الراكب الذي قتل ضمن نطاق الإقليم اللبناني. ففي هذه الحالة، تخضع الجريمة للقانون اللبناني لأنها تكون قد جاوزت شفير أو حدود السفينة أو الطائرة. 

 إستثناءً على هذا المبدأ، ورد في الفقرة الثانية من المادة ١٨ ع. حالتين بشأن الطائرات الأجنبية يطبق فيهما القانون اللبناني:

١- إذا كان الفاعل أو المجني عليه لبنانياً.

٢- إذا حطت الطائرة الأجنبية في أرض لبنانية بعد إقتراف الجريمة. 

 وبالنسبة للسفن الأجنبية، فقد اخضع المشرع جرائم الإستيلاء عليها أو على البضائع المنقولة عليها للصلاحية الإقليمية إذا دخلت هذه السفن المياه الإقليمية اللبنانية.

 كذلك، تخضع للصلاحية الإقليمية، أي للقانون اللبناني، جرائم الإستيلاء على البضائع من السفن الحاصلة خارج المياه الإقليمية إذا تم إدخال هذه البضائع إلى الأرض اللبنانية للإستهلاك المحلي أو على سبيل الترانزيت (مادة ١٨ ع.)

إضافةً إلى ذلك، فإن المشرع اللبناني وسع صلاحيته الإقليمية من خلال المعاقبة على جرائم إختطاف الطائرات الأجنبية وعلى الجرائم المرتكبة داخلها (مادة ٦٤٣ ع.) وعلى الجرائم الحاصلة على السفن الأجنبية وبضائعها أو على المرافئ والمنصات الثابتة (مادة ٦٤١ و٦٤٢ ع.). 

ما هو البدء بالتنفيذ في الركن المادي للجريمة؟

عرّفت المادة ٢٠٠ ع. المحاولة الجرمية بأنها “كل محاولة لإرتكاب جناية بدأت بأفعال ترمي مباشرةً إلى اقترافها تعتبر كالجناية نفسها إذا لم يحل دون اتمامها سوى ظروف خارجة عن إرادة الفاعل”. يتبين من ذلك أن العنصر المادي للمحاولة الجرمية هو البدء بتنفيذ الجريمة بعمل مادي. 

وقد أثار البدء في التنفيذ صعوبة لتحديده إذ أن النص لم يعرفه. فقد يختلط أحياناً بالأعمال التحضيرية للجريمة، فكلاهما أعمالاً مادية ومرحلتان متعاقبتان، فيصعب التمييز بينهما. مثال على ذلك: شراء السلاح للقتل، فهو من الأعمال التحضيرية ولكن يختلف الأمر فيما لو ضبط الشخص الحامل للسلاح بداخل حديقة من يريد قتله[3]. من هنا، برزت ٣ نظريات لتحديد معيار البدء في التنفيذ: النظرية المادية، النظرية الشخصية والنظرية المختلطة. 

١- النظرية المادية: بحسب هذه النظرية، إن البدء في التنفيذ هو القيام بفعل يعتبر جزءًا من الركن المادي للجريمة كما نص عليه القانون. مثلاً، إن الركن المادي لجريمة السرقة هو أخذ المال، بالتالي، إن المحاولة فيها تكون بالشروع في فعل الأخذ أو وضع اليد على الشيء المسروق. من هنا، إن ما سبق هذه الأعمال، ككسر الخزانة المحتوية للمال، لا يدخل في الركن المادي للجريمة كما نص عليه القانون وبالتالي لا يعتبر محاولة. 

٢- النظرية الشخصية: بحسب هذه النظرية، إن البدء في التنفيذ يتوفر بكل فعل من شأنه، في نظر الجاني، أن يؤدي حالاً ومباشرةً إلى إحداث النتيجة المقصودة. بمعنى آخر، تبحث هذه النظرية عن نية الجاني الجرمية لمعرفة إتجاه ارادته. فمن يتسلق منزلاً، يُبحث عن الغرض الذي اتجهت إليه ارادته. 

٣- النظرية المختلطة: تعتبر هذه النظرية أن البدء في التنفيذ ليس مادياً بحتاً ولا شخصياً، انما هو مزيج من الصفتين معاً. فتعتمد هذه النظرية من جهة على خطورة الفعل وصلاحيته بحسب المجرى العادي للأمور لتحقيق النتيجة، ومن جهة أخرى على دلالة الفعل المادي على عزم صاحبه على تحقيق النتيجة. 

إستقر الإجتهاد اللبناني على إعتماد النظرية المختلطة في تفسير المادة ٢٠٠ ع. فطالما أن الجريمة تقوم على ركنين مادي ومعنوي، لا على ركن واحد، فكذلك لأي صورة من صورها كالمحاولة[4]. فالمحاولة يعبر عنها بالعمل المادي الذي يؤدي مباشرةً إلى تحقيق نتيجتها بحسب المجرى العادي للأمور وتستمد من إتجاه قصد الجاني إلى تحقيق هذه النتيجة. 

 

الجريمة المستحيلة

       للمحاولة الجرمية عدة صور منها الجريمة المستحيلة. وقد عالج قانون العقوبات اللبناني الجريمة المستحيلة في المادة ٢٠٣ ع. بقوله: “يعاقب على المحاولة وإن لم يكن في الإمكان بلوغ الهدف بسبب ظرف مادي يجهله الفاعل”. يستنتج من ذلك أن في الجريمة المستحيلة، يقوم الجاني بكل ما في استطاعته لإتمام الجريمة، أي أنه يقوم بتنفيذ الأفعال المادية للجريمة بالكامل إلا أن النتيجة الجرمية لا تتحقق لأسباب أو ظروف جهلها. مثال على ذلك، إطلاق النار على شخص بإستعمال مسدس افرغت رصاصته، أو محاولة إجهاض إمرأة غير حامل، أو محاولة إجهاض إمرأة بمواد غير مجهضة. فالنتيجة الجرمية لا تتحقق لكونها غير ممكنة الحدوث مادياً لعدم وجود موضوع الجريمة (إجهاض إمرأة غير حامل) أو لعدم فعالية الوسائل المستعملة لتنفيذ الجريمة (السلاح الذي أفرغت رصاصته، الإجهاض بمواد غير مجهضة) دون أن يكون الجاني عالماً بهذه الإستحالة.

ما الفرق بين العذر المخفف العام والخاص؟

الأعذار المخففة هي حالات نص عليها القانون على سبيل الحصر تلزم القاضي بتخفيض العقوبة بالمقدار الذي حدده النص . في حال عدم تحديد النص لمقدار التخفيض، تطبق أحكام المادة ٢٥١ ع. التي حددت هذا المقدار بصورة عامة. والأعذار المخففة نوعان: عامة وخاصة.

الأعذار المخففة العامة هي التي تشمل جميع الجرائم أو أغلبها[5]، مثال على ذلك المادة ٢٣٣ ع. التي تنص على حالة العته بقولها “من كان حين إقتراف الفعل مصاباً بعاهة عقلية وراثية أو مكتسبة انقصت قوة الوعي أو الإختيار في اعماله يستفيد قانوناً من إبدال عقوبته أو تخفيضها”. تشمل الأعذار المخففة العامة أيضاً: التسمم بالكحول أو المخدرات بسبب طارئ أو قوة قاهرة (مادة ٢٣٥ ع.)، القصر (مادة ٢٤٠ ع. معطوفة على المادة ١٥ من قانون الأحداث)، الدافع الشريف (مادة ١٩٣ ع.) والإستفزاز (مادة ٢٥٢ ع.).

أما الأعذار المخففة الخاصة فهي التي ينحصر نطاقها في جريمة معينة أو فئة محدودة من الجرائم، مثلاً، المتآمر على أمن الدولة الذي يخبر السلطة عن شركائه بعد البدء بالتنفيذ (مادة ٢٧٢ فقرة ٢ ع.)، قتل السارق الذي يدخل في النهار إلى المنازل أو ملحقاتها بالتسلق أو الكسر أو إستعمال مفاتيح مقلدة أو أدوات خاصة (مادة ٥٦٣ فقرة ٣ ع.)، وإعادة المخطوف خلال ٢٤ ساعة (مادة ٥٧٠ ع.).

[1]  س. عالية وه. عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات القسم العام، منشورات الحلبي الحقوقية، ط ٢، ٢٠٢٠، ص ١٤١.

[2] المرجع السابق، ص ١٤٢.

[3] س. عالية وه. عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات القسم العام، ص ٢٦٧.

[4] المرجع السابق، ص ٢٧٠.

[5] س. عالية وه. عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات القسم العام، ص ٥٥٢.

مارينا ابراهيم

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *