مبدأ فصل السلطات: بين النظرية والواقع

 في ٢٣ ايار ١٩٢٦ أعلن المفوض السامي هنري دوجفنيل نشأة الدستور اللبناني ووضعه قيد التنفيذ. بالطبع، طرأت عبر السنين تعديلات على نصوص هذا الدستور، وفي العام ١٩٨٩ تم الإتفاق على وثيقة الوفاق الوطني أو ما يعرف بإتفاق الطائف لإنهاء الحرب في لبنان. بموجب هذا الإتفاق، تم تعديل الدستور وإضافة مقدمة له لم تكن موجودة من قبل. حدد الدستور الأسس الفكرية، الحقوق الأساسية، الحريات العامة والمبادئ التي ترتكز عليها الدولة وطبيعة نظام الحكم في لبنان وعمل مؤسساته الدستورية. 

لقد جاء في الفقرة “ه” من مقدمة الدستور أن النظام اللبناني قائم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها. 

 ما هي الأسس التي ترعى هذا المبدأ؟ كيف يفسر هذا المبدأ بالنظر إلى عمل المؤسسات الدستورية؟ وهل يعمل بهذا المبدأ على أرض الواقع؟ 

 في لبنان ٣ سلطات مستقلة: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. 

يتولى السلطة التشريعية المجلس النيابي الذي يضم ١٢٨ نائباً يتم انتخابهم مباشرةً من الشعب وتوزع مقاعدهم بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين (مادة ٢٤ دستور). لهذا المجلس اختصاصات مختلفة اناطها به الدستور أهمها التشريع، وهو الإختصاص الأساسي والجوهري للمجلس النيابي (مادة ١٨ دستور). ولعلّ الصلاحية الأبرز التي يتمتع بها المجلس النيابي هي الرقابة على أعمال الحكومة .فله حق توجيه الأسئلة إليها وإستجوابها. فبحسب المادة ٦٦ من الدستور “يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية”. مع العلم أنه، بحسب الفقرة الثانية من المادة ٦٤ من الدستور، لا تمارس الحكومة صلاحيتها إلا بعد نيل ثقة مجلس النواب.

عهد إلى مجلس النواب القضاء السياسي أي، بحسب المواد ٦٠، ٦١، ٧٠، ٧١ و٨٠ من الدستور، فإنه يتولى أمر محاكمة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء في جرائم محددة حصراً من خلال المجلس الأعلى.

أما السلطة الثانية في لبنان فهي السلطة التنفيذية. إن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة والقائد الاعلى للقوات المسلحة وتتمثل السلطة التنفيذية بالحكومة مجتمعة والتي يرأسها رئيس الجمهورية متى يشاء باعتباره رئيس السلطات وحامي الدستور[1] .يتولى مجلس الوزراء وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات وله، في حالات محددة حصراً في المادة ٦٥ من الدستور، حلّ المجلس النيابي .

تشكل السلطة القضائية السلطة الثالثة في لبنان وتتألف من المحاكم في مستوياتها الثلاث: الإبتدائية، الإستئناف والتمييز. وللقضاء في لبنان مجلس أعلى يسهر على حسن سيره .اما المجلس الدستوري فيصدر الاحكام المتعلقة بتفسير الدستور والبت بطعون الانتخابات.

 إن أعمال كل سلطة من هذه السلطات مكملة لأعمال الأخرى، إلا أن كل منها مستقلة بذاتها. فالدستور اللبناني كرس مبدأ فصل السلطات. 

يعود أصل هذا المبدأ إلى الحضارة الإغريقية حيث ناشد به أفلاطون وأرسطو. إلا أنه لم يكن واضحاً ومبيناً للسلطات الثلاث إلى أن جاء مونتيسكيو عام ١٧٤٨ وأشار إلى توزيع السلطات في كل دولة إلى ثلاث: التشريعية، التنفيذية والقضائية، وإلى ضرورة فصل كل سلطة عن الأخرى[2].  

كثرت تعاريف هذا المبدأ بحسب كل مفكر إلا أن المتعارف عليه هو أنه يقوم على أساس منع تمركز السلطة في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة. فيكون بذلك الضمانة للتوازن بين السلطات الموكل إليها القيام بوظائف الدولة: التشريع، الإدارة والقضاء، ويؤمن إستمرار عمل مختلف أجهزة الدولة من خلال تقسيم الأعمال والمهام والصلاحيات. 

إن فصل السلطات المقصود في الدستور اللبناني هو الفصل المتوازن في توزيع الصلاحيات مع ضرورة تعاون هذه السلطات لتنفيذ وظائفها ومسؤولياتها بتوافق وإنسجام لتفادي تعطيل عمل سلطة دستورية بفعل سلطة دستورية مستقلة اخرى[3] .

هل يطبق هذا المبدأ في الواقع؟

لقد كرس الدستور اللبناني كما ذكر أعلاه مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها. إلا أن هذا المبدأ يشهد خروقات عديدة في لبنان، وخرق مبدأ فصل السلطات يعني خرق للدستور. إن الأمثلة التي ممكن استخلاصها من الواقع العملي والسياسي في لبنان كثيرة. مثلاً، يخضع تعيين القضاة في لبنان لقرار مجلس الوزراء[4]. فتعيين أهمّ المراكز القضائية كرئيس مجلس القضاء الأعلى، مدّعي عامّ التمييز، رئيس هيئة التفتيش القضائي، والمدّعي العامّ المالي، يتم من خلال مجلس الوزراء. إن هذا الواقع يشكل مساساً بإستقلالية السلطة القضائية مما قد يؤثر على اعمالها. 

إن التوازن الذي يقضي به مبدأ فصل السلطات والمنصوص عليه في الدستور يظهر أيضاً  من خلال الرقابة الفعالة بين المجلس النيابي والحكومة[5] .إلا أن هذه الرقابة تنعدم عندما يستحيل على مجلس النواب مراقبة أعمال الحكومة ومساءلتها. وتكون الحالة هذه عندما يتم جمع النيابة والوزارة في شخصٍ واحد .فالنائب في البرلمان الذي خوله الدستور مراقبة، مساءلة وإستجواب الحكومة يتعذر عليه القيام بذلك عندما يكون هو نفسه وزيراً فيها. يمكن القول أن هذا الجمع عطل التوازن بين هذه السلطات وخرق مفهوم الفصل بينها .

إن المرات التي تم خرق الدستور اللبناني فيها تكاد لا تحصى .فقد جُرّد مبدأ فصل السلطات من معناه وإستُغل لخدمة المصالح السياسية حيث تدخلت كل سلطة في أعمال الأخرى دون إحترام توزيع الصلاحيات .

تكمن أهمية هذا المبدأ في تنظيمه عمل المؤسسات الدستورية، فضلاً عن أنه يوازي بين السلطات مما يسمح بمراقبة كل سلطة للأخرى. إحترام هذا المبدأ، وبشكل أعم، إحترام سيادة الدستور، يساهم في قيام دولة القانون وفي بناء نظام يؤمن العدل لمواطنيه.

[1] لبنان: النظام السياسي والسلطات، وزارة الإعلام، ministryinfo.gov.lb

[2] حكمت نبيل المصري، مبدأ الفصل بين السلطات وتأثيره على النظم الديمقراطية، المركز الديمقراطي العربي، democratic.de

[3] المجلس الدستوري، قرار رقم ١٢\٢٠٠٥، تاريخ ٦\٨\٢٠٠٥، منشور في cc.gov.lb

[4] د. ناصر زيدان، أهمية فصل السلطات في الدولة العصرية، ٢٠١٦، monliban.org 

[5] د. محمد عيسى عبدالله، صلاحيات رئيس الجمهورية بين النص الدستوري والممارسة السياسية، الجامعة اللبنانية، ul.edu.lb

مارينا ابراهيم
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *