attorney, act, files

مبدأ الشرعية: سلطة الإدارة في إتخاذ قراراتها

ربما كلمة “فساد” تعتبر الأكثر تداولاً في لبنان في الآونة الأخيرة. وبتعريفٍ بسيطٍ للفساد فهو سوء إستغلال السلطة لمصلحة شخصية أو خاصة. فالفساد المستشري في الإدارة العامة في لبنان لم يعد يحتاج إلى شرحٍ ولا إلى أمثلة، فالجميع في لبنان وخارجه على علمٍ بواقع الإدارة العامة ومؤسسات الدولة.

لذلك سيكون من الأجدى أن نتناول مبدأ مهم في القانون الإداري وهو مبدأ الشرعية أو مبدأ القانونية. وذلك للتأكيد على أن تلك الإدارة العامة لا تملك سلطة مطلقة في إتخاذ قراراتها بل تخضع للقانون وللرقابة. 

ماذا يتضمن مبدأ الشرعية؟

تخضع كافة الأعمال الإدارية من حيث المبدأ لرقابة إدارية وكذلك قضائية عليها. وتكون الأعمال الإدارية ونشاط الإدارة التي تصدر عنها هذه الأعمال ملزمة بالتقيد بالشرعية أي بمجموعة من القواعد القانونية التي يجب أن تتقيد بها الإدارة وإلا إعتبر عملها غير شرعي وفاسد. فعلى الإدارة عملاً بمبدأ الشرعية موجب مراعاة قواعد الشكل والإختصاص في إتخاذ القرارات وكذلك مراعاة قراراتها للقواعد الأعلى التي لا يمكن مخالفتها[1]. كذلك يشكل مبدأ الشرعية صراعاً بين مصلحة الأفراد ومصلحة الإدارة، إذ يطالب الأفراد بتقييد الإدارة فيما تطالب هذه الأخيرة بمزيد من الحرية في إتخاذ قراراتها.

فقد نتج عن هذا الصراع أنه تم اللجوء إلى التخفيف من حدة مبدأ الشرعية وذلك بهدف إعطاء حرية أوسع للإدارة في ثلاث حالات وهي السلطة الاستنسابية، نظرية الظروف الإستثنائية ونظرية الأعمال الحكومية.[2]

فمتى تكون سلطة الإدارة استنسابية؟

لعل الطريقة الأمثل لفهم السلطة الاستنسابية تكون من خلال مقارنتها مع السلطة المقيدة. ومن الضروري ذكر أن طاقات الإدارة وقدرتها على التقرير ليست مشابهة في كل الحالات، إذ أن القانون يقيد ممارسة الإدارة لصلاحياتها في بعض الأحيان. فتتمتع الإدارة بسلطة استنسابية عندما يكون لها الحرية الكاملة في إتخاذ أي قرار وفي تقدير كل ظرف لإتخاذ القرار المناسب بشأنه. خلافاً لذلك تكون سلطة الإدارة مقيدة عندما يفرض القانون على المرجع الإداري المختص التقيد بشروط معينة وإتباع سلوك محدد في إتخاذ أي قرار. فتكون الاستنسابية غائبة عندما يحدد القانون شروط الحصول على رخصة صيد أو رخصة بناء مثلاً. فلا يحق للإدارة في هذه الحالة تقدير ما إذا كان من تقدم بطلب رخصة صيد ستمنح له أم لا، لأنه إذا توفرت فيه كل الشروط التي وضعها القانون لهذه الغاية تصبح الإدارة ملزمة على منحه الرخصة.

لكن للإدارة المتمثلة بالبلدية مثلاً سلطة استنسابية في تقدير التوقيت الذي يجب أن تقفل فيه الملاهي الليلية حيث أن القانون لم يحدد ذلك. فالشروط التي يضعها القانون لإصدار قرارات إدارية معينة تقيد الإدارة وتلزمها على السير في نهجٍ معين في كل ظرف مشابه. في حين تترك للإدارة حرية تقدير الظرف وإتخاذ القرار المناسب. كذلك تبقى الاستنسابية موجودة بعض الشيء حتى عندما نكون في إطار السلطة المقيدة إذ يبقى للإدارة أن تختار الوقت المناسب لمنح رخصة صيد مثلاً.

ويمكن معرفة ما إذا كانت السلطة التي تتمتع بها الإدارة في إتخاذ قرارها هي مقيدة أو استنسابية من خلال نص القانون، فعندما يذكر القانون شروطاً لممارسة الإدارة لصلاحيتها نكون أمام سلطة مقيدة ومتى لم يضع شروط نكون أمام سلطة استنسابية. وفي حال لم يكن نص القانون واضحاً في تحديد طبيعة السلطة فيعود للقاضي البت في الموضوع.

وتكون أهمية التمييز بين نوعي السلطة التي تتمتع بهما الإدارة لناحية تقدير مدى شرعية القرار الإداري الصادر. ويعود دوماً للقاضي مراقبة شرعية القرارات الإدارية لكن هذه الرقابة تبقى رهن ما إذا كانت الصلاحية التي تتمتع بها الإدارة استنسابية أم مقيدة. لا يكون هناك رقابة للقضاء في إطار سلطة استنسابية لأنه عند ذلك يعتبر القاضي قد أحل نفسه مكان المرجع الإداري المختص في إتخاذ القرار لناحية النظر في ملاءمة هذا القرار وهذا مخالف للاستنسابية. في حين أن القضاء الإداري يراقب شرعية القرارت الإدارية في إطار السلطة المقيدة. فدور القاضي هنا مهم جداً في النظر ما إذا كانت الإدارة قد طبقت جميع الشروط التي وضعها القانون لإتخاذ قرارها، فيكون بذلك يراقب شرعية العمل الإداري.

لكن إن غياب الرقابة القضائية على الإدارة المتمتعة بسلطة استنسابية لا يعني إعطاء الإدارة حرية مطلقة في التقدير والتقرير. إن وجود رقابة قضائية يكمن في حالة السلطة الاستنسابية في مراقبة قواعد الصلاحية والشكل والتقيد بالهدف الذي وضعه القانون. فعلى الإدارة دوماً إسناد قراراتها إلى أسباب مشروعة وصحيحة ووقائع مادية صحيحة. فيمارس القضاء الإداري رقابته في هذه الحالة على مدى صحة ومادية الوقائع التي اسندت الإدارة قرارها عليه. ورغم أن القانون لم يلزم الإدارة المتمتعة بسلطة استنسابية في تعليل قراراتها إلا أنه يبقى على هذه الإدارة أن تقدر وتستنسب قراراتها مرتكزةً على وقائع صحيحة ومادية.

كذلك على السبب الذي دفعها إلى إتخاذ القرار أن يكون سبباً صحيحاً مرتكزاً على وقائع مادية صحيحة وجدية وبعيدة عن الذاتية والشخصية بل متمتعة إلى حد كبير بموضوعية عالية ومنطق في إسناد القرار إلى أسباب حقيقية مشروعة. في حال لم يكن السبب الذي أسند عليه القرار الإداري صحيحاً مرتكزاً على وقائع مادية محسوسة وصريحة، فعند ذلك يعود لرقابة القضاء أن تبطل القرار الصادر عن الإدارة وذلك لعدم صحة الأسباب المدلى بها.[3]

ما يميز سلطة الإدارة في الظروف الإستثنائية؟

كون مبدأ الشرعية يعتبر قيد على عمل الإدارة وذلك في الحالات العادية، فإن التقيد بهذا المبدأ يتراجع     في الظروف الإستثنائية. فهناك ظروف غير طبيعية تجعل الإدارة مضطرة للقيام بأعمال دون التقيد بالقواعد القانونية الموضوعة بحيث تكون الإدارة بحاجة إلى حرية أوسع في التحرك لمواجهة ظروف غير عادية.  ولأن البلاد قد تمر في ظروف خاصة غير عادية فقد أوجد مجلس شورى الدولة نظرية الظروف الإستثنائية لمواجهة مثل هذه الظروف. فمن حيث تعريف هذه الظروف فيمكن إعتبار الظرف إستثنائي ذلك الظرف الخارق والشاذ الذي من شأنه أن يهدد السلامة العامة والأمن والنظام العام في البلاد وتعرض كيان الأمة أو الدولة للزوال.               

 ففي حالات مشابهة لا تعد القواعد العادية المتبعة قادرة على تحقيق النافع العام فتلجأ الإدارة إلى إتخاذ تدابير إدارية خارقة لقواعد القوانين العادية وغير شرعية وذلك بهدف تأمين النظام العام وحسن سير المرافق العامة. وكون هذه النظرية هي من صنع الإجتهاد والقضاء فيصعب إعتماد مقياس معين لإعتبار ظرف معين إستثنائي أم لا. لكن يمكن إعتبار كل ظرف يهدد كيان الدولة ظرفاً إستثنائياً كحالات الحروب والزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية والإضطرابات الداخلية كالثورات.                                                                                                          

يكون مفعول أو نتيجة الظروف الإستثنائية أولاً أن تتجاوز الإدارة حدود صلاحياتها بإتخاذ تدابير تدخل عادةً في نطاق صلاحيات سلطة إدارية أخرى وهذا ما يسميه الإجتهاد بخرق قواعد الصلاحية العادية، وثانياً أن تستعمل الإدارة صلاحياتها المقررة لها في القانون دون أن تحترم الأصول القانونية المتبعة عادةً وهذا ما يسميه الإجتهاد بخرق قواعد الشكل العادية.                             

على الرغم من توافر تلك الظروف الإستثنائية، إلا أنه تبقى الأعمال الإدارية خاضعة للرقابة القضائية وذلك منعاً لتعسف السلطة في ممارسة سلطتها تحت ستار الظرف الإستثنائي.                

 لذلك فقد فرض الإجتهاد توفر الرقابة على أربعة شروط حتى تتمكن الإدارة من الإفادة من الشرعية الإستثنائية وهي: أولاً، يجب أن تكون في الظروف والزمان والمكان صفة إستثنائية حقيقية وظاهرة. ثانياً، يجب أن تكون السلطة الصالحة أصلاً أمام إستحالة مادية قانونية للتدخل. ثالثاً، يجب أن تكون التدابير المتخذة متناسبة كلياً مع حجم الهدف المطلوب تحقيقه. رابعاً، يجب أن يكون الهدف المذكور مهماً لدرجة أنه إذا لم يتحقق تكون إحدى المهام الأساسية الموكلة إلى السلطات العامة بحكم الملغاة.[4]                                                                

على الرغم من تمتع الإدارة بسلطة استنسابية في بعض الحالات وبسلطة إستثنائية في بعض الظروف، إلا أن الرقابة القضائية تبقى مفروضة على الأعمال الإدارية وذلك منعاً لوقوع المواطن ضحية تعسف الإدارة وتجنباً للفساد الإداري. فتبقى الخطوة الأولى في مكافحة الفساد هي فرض وتشديد الرقابة القضائية على أعمال الإدارة العامة وحصر الأعمال الاستنسابية بوضع المزيد من التشريعات لتقييد عمل الإدارة. فممثل الإدارة قد لا يكون على قدر المسؤولية ليمنح سلطة استنسابية في إتخاذ القرار وقد يفضل مصلحته الشخصية على حساب المصلحة العامة وبذلك سيبقى كابوس الفساد يرافق يوميات المواطن اللبناني في علاقته مع الإدارة العامة.                                                              

[1] س. سليمان، خلاصة القانون الإداري، صادر، ٢٠٠٩، ص214.

[2] س. سليمان، خلاصة القانون الإداري، ص214-217.

[3] س. سليمان، خلاصة القانون الإداري، ص214-217.

[4] س. سليمان، خلاصة القانون الإداري، ص 218-220.

روزابيل سابا

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *