حوكمة الشركات بين الواقع والقانون

خلال العقود القليلة الماضية شهد عالم المال والأعمال إنهيارات إقتصاديّة بارزة لمؤسسات وشركات تجاريّة عملاقة، أدّت لإعلان إفلاسها وتصفية أمولها واللّجوء إلى تبييض الاموال وسائر وسائل الإحتيال و الإستيلاء بالخدعة على أموال المودعين والإطاحة بحقوق المساهمين. كما برزت فضائح ماليّة عظمى وممارسات إداريّة فاسدة ما عمل على تشويه التجارة الدوليّة وتقليص التدفقات الإستثماريّة وانعدام الثقة في التعامل مع الاشخاص المعنويين. هذا ما أظهر الحاجة الملحة إلى ضرورة وجود نظام لمراقبة حسن سير عمل الشركات وضمان ديمومتها ألا وهو “حوكمة الشركات”.

مصطلح “حوكمة الشركات” هو المرادف لمفهوم “Corporate Governance” فترجمته العلميّة والتي اتُفق عليها هي “أسلوب ممارسة سلطات الإدارة الرّشيدة” [1]، إذا هو مجموعة من القواعد والمعايير التي تنظّم العلاقات المتبادلة ما بين القائمين على إدارة الشركة وبين حملة الأسهم وغيرهم من أصحاب المصالح وذلك عن طريق إستخدام الأدوات المحاسبيّة والرقابيّة السليمة في إطار من الشفافيّة والإفصاح عن المعلومات الواجبة والمساءلة، بالإضافة إلى تعزيز مبدأ فصل الملكيّة عن الإدارة، وتحقيق التوازن بين حقوق الأطراف المتعدّدة.

على الرغم من حداثة هذا الموضوع إلّا أنّ معظم الدول بادرت إلى سنّ تشريعات تنظّم العمل بقواعد الحوكمة الرشيدة لقناعتها بأنها باتت تشكّل العلاج الشافي ضد الفساد وتضمن نزاهة المعاملات الماليّة وتضع الحدود بين الحقوق الخاصة والمصلحة العليا للشركة .

فأين يقع التشريع التجاري اللبناني بخصوص قواعد الحوكمة الرشيدة؟

إن قانون التجارة البرّية الصادر في ٢٤/١٢/١٩٤٢  لم يتضمّن قواعد تتعلق بحوكمة الشركات لكن يمكن إستنباط بعض هذه القواعد من خلال الأحكام العامّة التي عالجت موضوع الشركات في قانون التجارة[2] مع تبيان بعض الثّغرات. فأخذ المشرّع اللّبناني ضمنًا ببعض مبادئ الحوكمة في الشركة المساهمة، منها على سبيل المثال:

فيما يتعلّق بمبدأ اللإطلاع، الإطلاع حق من حقوق المساهم في الشركة يتمثّل بإطلاع المساهم على سجلّات الشركة، عقودها وتقاريرها [3]وذلك من خلال عمليّة نشرها حسبما فرض القانون. ممّا يعكس في ذهن المساهم حقيقة الوضع المالي والقانوني للشركة ومدى تنفيذها للخطط التي تكون قد وضعتها.

كرّس المشرّع اللبناني هذا المبدأ حين أوجب على المؤسسين قبل كل دعوة توجّه إلى الجمهور لأجل الإكتتاب أن ينشروا بيانا يشمل إسم الشّركة ومركزها ومضوعها ورأسمالها وغيرها من البيانات تحت طائلة غرامة وفق لما ورد في (المادّتين ٨١-٨٢ تجارة).

وأيضا أوجب على أعضاء مجلس اللإدارة إجراء المعاملات الأوليّة المختصّة بالنشر والإيداع في قلم المحكمة والتسجيل في السجل التجاري تحت طائلة بطلان الشركة وتحميلهم مسؤوليّة تضامنيّة وفقًا لما ورد في (المادتين ٩٨ و ٩٩ تجارة). ولم يكتف المشرع في تكريس مبدأ الإطلاع فقط على النشر في مرحلة التأسيس وما بعدها بل فرض على الشركة نوع من النشر المستمر سندًا لنص (المادة ١٠٠ تجارة) ما يضمن شفافيّة التعامل بالإضافة إلى تكريس حق الإطلاع على ميزانيّة الشركة وإلا محاسبة الأعضاء ومعاقبتهم وفقا لأحكام (المادتين ١٠١ و ١٠٢ تجارة). إذا للنشر الدوري والدقيق أهميّة كبرى للإضطلاع الدائم للمساهمين حول أوضاع الشركة ولجذب إنتباه المستثمرين المرتقبين.

سندًا لنص (المادّة ١٧٥ تجارة) يضع مفوضي المراقبة تقريرًا للجمعيّة العموميّة عن حالة الشركة وميزانيتها وحساباتها، يتبيّن لنا من خلال هذه المادة أن المشرّع لم يكن دقيق بمحتوى التقرير السنوي فلم يشر أن النشر يجب ايضا أن يتضمّن المخاطر التي تعتري الشركة فيعزّز بذلك الوضوح والشفافية في الإطلاع.

سنداً لنص (المادّة ١٩٣ تجارة) أصبح الإضطلاع اليوم على الجرائد والصحف غير كاف لمواكبة التطور التكنولوجي فلا بدّ من تأمين آليات أخرى للدعوة كالحوكمة الإلكترونيّة وبذلك لا يحرم المساهم من العلم بالدعوة والإطلاع والمشاركة بتأمين النصاب المطلوب .

فيما يتعلّق بمبدأ الشفافيّة، يعتبر هذا المبدأ من أهم المبادئ في سبيل مكافحة الفساد، يتحقق بالحصول على المعلومات المفصح عنها بشكل واضح و منطقي ودقيق بحيث لا تكون سبب في دفع آمال كاذبة لدى الجمهور حول حقيقة وضع الشركة أو تؤدي إلى تضليل في أسواق المال[4].

والدليل على أهميّة هذا المبدأ أخضع المشرّع اللّبناني لترخيص مسبق من قبل الجمعيّة العمومية للشركة كل اتفاق بين الشركة وأعضاء مجلس اللإدارة وكذلك على مجلس الإدارة ومفوض المراقبة تقديم تقارير عن الإتفاقيات المنوي إجراؤها للجمعيّة العمومية  (مادة ١٥٨ تجارة) وأيضا على أعضاء مجلس الإدارة تقديم بيانا موجزا لموجودات الشركة وما عليها من ديون وقائمة جرد وميزانية أرباح وخسائر وأن تكون الميزانيّة جليّة و منسّقة (المادّتين ١٦١-١٦٢ تجارة). لكن ما مدى صحة ودقة هذه التقارير و البيانات ؟ ومن يقوم بمراقبتها؟ فما حدود إستقلالية مفوض المراقبة عن مجلس الإدارة؟ تكمن الثغرة هنا في عدم وجود لجان إستشاريّة ولجان رقابيّة حياديّة شفّافة مهمتها الاساسية التدقيق في صحة تلك المقررات دون أي ضغوطات داخليّة وخارجيّة .

فيما يتعلّق بمبدأ النزاهة منع المشرّع اللبناني أن يشترك في تأسيس شركة مساهمة اي شخص قد أعلن إفلاسه أو محكوماً عليه في لبنان أو الخارج لارتكابه جناية أو جنحة تطبق عليها عقوبات الاحتيال أو اختلاس أموال أو إصدار شبكات دون مؤونة (المادة ٧٩ تجارة) إلا أن خلو النص من تحديد لمواصفات المؤسسين يدل على وجود ثغرة فلا بد أن يتوفر بهؤلاء المؤسسين خبرة في مجال العمل التجاري وتأسيس الشركات ما يعزز موضوع الثقة بهم .

وأيضاً لا يجوز لأعضاء مجلس الإدارة أن يشتركوا في إدارة شركة مشابهة لشركتهم إلا إذا حصلوا على ترخيص يجدد في كل سنة (المادة ١٥٩ تجارة) كما لا يجوز للمساهم أن يشترك في التصويت في الجمعيات العمومية إذا كان الأمر يتعلق بمنفعة يراد منحه إياها (المادة ١٨٧ تجارة) فيتبين لنا من خلال هذه المواد تعزيز المشرّع لمبدأ النزاهة.

وفيما يتعلق بمبدأ المساءلة والمحاسبة، على مجلس الإدارة تأدية مهامه بمسؤولية وحسن نيّة والإلتزام بالقيام بما يحقق مصلحة الشركة عمومًا[5]. فنجد أن المشرع سمح لمحكمة التجارة أن تقضي على رئيس مجلس الإدارة بإسقاط الحقوق الملازمة للإفلاس إذا أفلست الشركة وكان إفلاسها ناتجاً عن غش أو أخطاء هامة في إدارة أعمال الشركة فنجد أنّ المشرّع وضع قواعد صارمة ومتشدّدة في المسؤوليّة (المادة ١٥٥ تجارة). إلّا أنّ الثغرة تكمن بمنح أعضاء مجلس الإدارة صلاحيات واسعة دون تقديم آليّة لكيفية التنفيذ في ظل غياب الرقابة من قبل لجان رقابيّة حياديّة ليبقى مجلس الإدارة بهيمنته فهو من يقرر ينفّذ ويراقب ويدير بلا رقيب وبلا حسيب (المادة ١٥٧ تجارة).

أضحت الحوكمة إحدى المتطلبات الجديدة للنهوض بالإقتصاد وإنعاشه ومما لا شكّ فيه أنّ قواعد حوكمة الشركات لا يمكن أن تكون بديل عن الأمانة والشفافية وحسن الأداء. في النهاية يلاحظ أن المشرّع اللّبناني لم يتجاهل مبادئ الحوكمة وإن لم يتكلّم عنها بالإسم فهناك الكثير من النصوص التي يستدل منها على مفهوم الحوكمة والتي قد يحتاج البعض منها لتعديلات إلا أنّ المشكلة الأساسية تكمن في تفسير هذه النصوص وتطبيقها والنقص في إيجاد لجان رقابيّة شفّافة متخصّصة وحياديّة.

[1] إلياس ناصيف، حوكمة الشركات في القانون المقارن، منشورات الحلبي الحقوقيّة، ٢٠١٧

[2] القاضي حبيب مزهر، الحوكمة في الشركات في القانون اللبناني واقع وضرورة، المركز العربي للبحوث القانونيّة والقضائية

[3] بسام حسين، سعاد: الإفصاح والشفافيّة كأحد مبادئ الحوكمة في قانون الشركات، ٢٠١٥

[4]  شيماء شبخو الغزاوي، حوكمة الشركات، رسالة، ٢٠١٣

[5] محمد مصطفى سليمان، حوكمة الشركات ودور أعضاء مجلس الإدارة والمديرين النتفيذيين، الدار الجمعيّة الإسكندرية، ٢٠٠٨

باميلا فرنسيس
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

Subscribe to our newsletter!

2 thoughts on “حوكمة الشركات بين الواقع والقانون”

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *