المساواة بين المرأة والرجل في القوانين اللبنانية

نشهد في الآونة الأخيرة مطالبات عدة في جميع أنحاء العالم بالمساواة بين المرأة والرجل، ولا سيما في لبنان. إلا أن هذه المطالبات ليست حديثة، بل تعود إلى عقودٍ سابقة. فخلال السبعينات، توسع دور المرأة في المجتمع اللبناني ودخلت وبرعت في مجالات عدة ومختلفة[1]. عندها، كثرت الجمعيات والحملات التي تهدف إلى تحسين وضع المرأة في القوانين اللبنانية وبدأت الجمعيات النسائية واللجان تتشكل بكثرة كلجنة حقوق المرأة عام ١٩٧٠ والتجمع النسائي الديمقراطي اللبناني عام ١٩٧٦ والمجلس النسائي اللبناني. فقد ساوى الدستور اللبناني المرأة بالرجل عندما نص في الفقرة ج من مقدمته على أن لبنان جمهورية تقوم على “العدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”. بالتالي، فإن الدستور يضمن المساواة بنص عام يطبق على جميع المواطنين، نساءً ورجالاً، وهو بذلك ينسجم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٨ (مادة ٧). نلاحظ إذاً أن الدستور يخلو من نص خاص يكرس هذه المساواة. فضلاً عن ذلك، فإن لبنان قد ابرم عدة اتفاقيات صادرة عن منظمات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة أو عن منظمات عربية متعلقة بحقوق الإنسان عامة وبحقوق المرأة خاصة وتعتبر وحدة لا تتجزأ من القانون اللبناني ولها الأولوية وواجبة التطبيق (مقدمة الدستور بند ب). 

من هنا، كان لا بد من أن نستعرض كيف تطورت القوانين اللبنانية من ناحية إعطاء المرأة حقوقها ومساواتها بالرجل وهل إستطاع المشترع اللبناني مواكبة مقتضيات المجتمع الحديث الذي لا يفرق بين انسان وإنسان آخر بسبب جنسه.

١- قانون الجنسية 

إن هواجز التوازن الطائفي العددي هي التي تحكم سلوك الدولة اللبنانية في مقاييس منح الجنسية. فبحسب القرار رقم ١٥ الصادر بتاريخ ١٩\١\١٩٢٥ إن زواج اللبناني بأجنبية يعطيها الحق بالجنسية بعد مرور سنة على تسجيل هذا الزواج. أما المرأة اللبنانية التي تتزوج من أجنبي لا تستطيع أن تمنحه جنسيتها كما أنها لا تستطيع منحها إلى اولادها إلا في حالات قليلة جداً ومحددة حصراً[2] إذ أن الجنسية اللبنانية تنتقل بالأبوة لا بالأمومة(مادة ١ من القرار المذكور).

٢- قانون العقوبات 

رغم أنه تم، عام ٢٠١٧، إلغاء أحكام المادة ٥٢٢ من قانون العقوبات التي كانت تعفي مرتكب بعض الجرائم، كالإغتصاب، من العقوبة في حال تزوج ضحيته، إلا أن هذا القانون لا يزال يميز بين المرأة والرجل.

– في جريمة القتل بسبب الشرف: تنص المادة ٥٦٢ من قانون العقوبات على أنه “يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود أو في حالة الجماع غير المشروع فأقدم على قتل احدهما أو ايذائه بغير عمد”. فذكر كلمة “أخته” جاءت محددة لجنس المجني عليه في حين لم يستعمل المشترع لفظة “الأخ”. إذاً، إعتبر المشترع أن الأنثى هي المجني عليها وأن من يستفيد من هذا العذر المخفف هو الرجل[3]

– في جريمة الزنى: نظمت المواد ٤٨٧، ٤٨٨ و٤٨٩ أحكام جريمة الزنى وميزت بين المرأة والرجل. فلكي تثبت هذه الجريمة على المرأة يكفي أن تكون متزوجة وأن يكون هناك إتصال جنسي مع شخص غير الزوج[4]. أما بالنسبة للرجل، فلا تتحقق الجريمة إلا إذا إرتكب الزنى في المنزل الزوجي أو إتخذ لنفسه خليلة جهاراً في أي مكان. يكون المشترع بهذا قد أوجد للرجل مخرجاً من عواقب فعله.

كذلك، فإن عقوبة المرأة أشد من عقوبة الرجل بالنسبة لجريمة واحدة. فالمرأة الزانية تعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين أما الزوج فيعاقب بالحبس من شهر إلى سنة. 

٣- قانون التجارة 

لم يكن هذا القانون يسمح للمرأة بممارسة التجارة إلا بعد حصولها على رضى زوجها الصريح أو الضمني. إلا أنه بعد مطالبات استمرت اعواماً تم تعديل هذا القانون. فصدر بتاريخ ٤\١١\١٩٩٤ القانون رقم ٣٨٠ الذي بموجبه أصبح للمرأة اللبنانية كامل الأهلية في ممارسة نشاطها التجاري. كما ونظمت المواد ٦٢٥ إلى ٦٢٩ من قانون التجارة حقوق زوجة التاجر المفلس. فأموال الزوجة تضم إلى موجودات التفليسة إلا في حال كانت مالكة لهذه الأموال قبل الزواج وأن تكون قد اشترتها أثناء الزواج بنقودها الخاصة. فالأموال التي تشتريها الزوجة أثناء الزواج تعتبر مشتراة من نقود الزوج إلى أن تقدم الزوجة البرهان على عكس ذلك وبجميع طرق الإثبات. على أنه لا يكفي أن تثبت أن لديها مداخيل خاصة انما يجب عليها أن تثبت أنها دفعت ثمن الأموال بإستعمال مداخيلها الخاصة. كما وأنه إذا أوفت الزوجة ديون لحساب زوجها، فتقضي القرينة القانونية بأنها أوفت تلك الديون من مال زوجها، فلا يمكنها أن تقيم دعوى على التفليسة للمطالبة بإسترجاع المال إلا إذا اثبتت العكس. 

٤- قانون الأحوال الشخصية 

في لبنان، لكل طائفة قوانين خاصة ترعى أحوالها الشخصية وتنظم مسائل الزواج وموجباته وإبطاله والطلاق والهجر والحضانة والنفقة والبنوة والتبني والوصاية على القاصر والإرث وإلى ما هنالك من مسائل تدخل في نطاق الأحوال الشخصية. ولكل طائفة تقاليدها ومعتقداتها، تبعاً لذلك، فإن وضع المرأة يختلف من طائفة إلى أخرى. فبعض الطوائف مثلاً لا تعطي للمرأة الحرية في إختيار الزوج ويكون لوليها كلمته في الأمر، كما وتفرض أن يكون شهود عقد الزواج رجال[5]. من هنا، ينبغي التوصل إلى إعتماد قانون مدني موحد يطبق على جميع الطوائف ويساوي حقوق المرأة بالرجل لأن في ذلك تكمن الإمكانية الوحيدة لتغيير فعلي في العلاقة (إجتماعية وذاتياً) بين المرأة والرجل في إتجاه المساواة الفعلي.

إن ما ذكر أعلاه يكشف أن بعض مواد القوانين اللبنانية لا تأتلف والإتفاقيات العالمية التي ابرمها لبنان والتي تقضي بالمساواة بين المرأة والرجل ولا تواكب تطور دور المرأة في المجتمع. إلا أن الأهم من سن القوانين هو تثقيف المواطنين، ولا سيما الأجيال الصاعدة، على أهمية إحترام المرأة وتقدير جميع الأدوار التي تقوم بها في المجتمع: من أم، إلى زوجة، إلى إمرأة ناشطة في مجالها. لطالما اثبتت المرأة، وبالأخص اللبنانية، جدارتها وقوتها وقدرتها على تولي أهم المراكز وأصعب المهام. فإحترام المرأة وإعطائها حقوقها يبدأ في النفوس لا في النصوص. لذلك، ينبغي العمل على توعية المواطنين وتربية الجيل الجديد على أهمية انخراط المرأة في العمل لما في ذلك من إنعكاس إيجابي على المجتمع والتركيز على الإنجازات التاريخية للنساء حول العالم. هكذا يتم تحضير مجتمع إنساني متوازن لا يصنف الناس فيه حسب جنسهم. فالمرأة أساس المجتمع ولا يجوز تهميشها وتصويرها بدورها التقليدي بل يجب دعمها وتشجيعها بإعطائها حقوقها كاملة وحمايتها من أي تعرض أو تمييز.

[1] عدنان حمود وجوليندا أبو النصر، المرأة اللبنانية واقعها ودورها في الحياة، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس ١٩٩٦، ص ١٥٢.

[2] وفيقة منصور دويري، المرأة في القوانين الوضعية اللبنانية وقوانين الأحوال الشخصية، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس ١٩٩٦، ص ١٦٣.

[3] صونيا عطية، وضع النساء القانوني من خلال التشريعات السائدة في لبنان، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس ١٩٩٦، ص  ٢٠٦.

[4] وفيقة منصور دويري، المرأة في القوانين الوضعية اللبنانية وقوانين الأحوال الشخصية، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس ١٩٩٦، ص ١٦٨.

[5] صونيا عطية، وضع النساء القانوني من خلال التشريعات السائدة في لبنان، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس ١٩٩٦، ص  ٢٠٨.

مارينا ابراهيم
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *