court, judge, gavel

المساعدة القانونية والقضائية : حق للوصول إلى العدالة

في ظل غياب الثقافة القانونية وتدني مستوى الوعي حول حقوق الإنسان الأساسية يعاني ملايين الاشخاص حول العالم من الإفتقار إلى سبل التعامل مع المسائل القانونية وعدم إمكانية الوصول إلى خدمات العدالة. كما يشكل الفقر أحيانا كثيرة عائقاً يحول دون تمكن هؤلاء الأفراد من اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقهم أو ممارسة حقهم بالدفاع. وبسبب عجز هذه الفئات المستضعفة والمهمشة عن تحمل تكاليف المحامين وتجاهلهم من قبل السلطات المعنية تُنتهك حقوقهم بشكل روتيني وتنعدم أمامهم خارطة طريق العدالة.

واذا كانت العدالة لا تفرق بين معسر ومقتدر إنطلاقا من إرتباطها الوثيق بحقوق الإنسان فكان لا بد من إيجاد آلية قانونية تضمن لغيرالمقتدرين لمعوقات مالية أو جغرافية أو ثقافية حقّهم باللجوء إلى القضاء؛ ألا وهي “المعونة القضائية”. وتنضوي هذه الوسيلة المُعينة تحت لواء “المساعدة القانونية”، بحيث تؤمن هذه الأخيرة التناغم في المجتمع وتحفظ لكل صاحب حق حقّه وتُعدّ من أهم وأسمى الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الجميع على قدم من المساواة.

فما هو مفهوم المساعدة القانونية في لبنان وما هو نطاق تطبيقها؟ وبالتالي ما هو نظام المعونة القضائية؟ من يستفيد منه؟ وما هي آلية تطبيقه؟

نشأت فكرة المساعدة القانونية المجتمعية إستجابةً لمطالب المجتمعات المحلية المهمشة التي رأت في القانون أداة أساسية لتحسين أوضاعها وتحفيز الإصالح المستدام والتنمية. وأمام واقع المحاكم المثقلة بقضايا الناس والتي تتخذ أحيانا وقتا طويلا لإصدار أحاكامها، اصبح تفعيل المساعدة القانونية حافزا إضافيا أكبر لحل المشاكل المجتمعية من خلال اساليب غير مرتبطة بالمنظمة القانونية أي المحاكم والقضاء.

بعض المواثيق الدولية حول المساعدة القانونية والمعونة القضائية

وتقرّ العديد من المعاهدات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقـوق الإنـسان بـالحق في الحصول على المساعدة القانونية باعتباره عنصرا رئيسيا من عناصر الحق في محاكمة عادلـة. اما في القوانين الوطنية فلا نجد في لبنان قواعد خاصة بالمساعدة القانونية بإستثناء ما ورد لجهة المعونة القضائية كما سنبين لاحقا.

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948

 “الناس جميعاً سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الاعلان ومن أي تحريض على هذا التمييز.” (م7 )

“لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على حقوقه الأساسية التي يمنحها له القانون.” (م8)

“كل شخص متهم بجرمية يُعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.” (م11)

  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966

“تتعهد كل دولة في هذا العهد: أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هـذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.” (م 3-2)

 “الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساوٍ في التمتع بحمايته.”( م 26)

” الناس جميعا سواء أمام القضاء.” (م 14 ف(1))

“لكـل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا التالية: ب) أن يُعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه.” م14 ف(3)

أن يحاكم  حضورياً وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره، وأن يُخطر بحقه في وجود من يدافع عنه إذا لم يكن لـه من يدافع عنه، وأن تـزوده المحكمة حكماً، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجرا على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر.” (م14 ف(3) (د))

  • إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

يتوجب على لبنـان ضمان الحماية القانونية للمرأة على قدم المسـاواة ويجب تقديم المساعدة القانونية للنساء عند انتهاك الحقوق (م2 وم15) إلى جانب تعزيز مسـألة الوصول إلى العدالة في مختلف التوصيات المطروحة.

مفهوم المساعدة القانونية

المساعدة القانونية هي أحد أشكال التمكين القانوني النوعي والمجاني، تقوم على تقديم الارشاد القانوني والترافع في المحاكم نيابة عن الضحايا وتعزيز حق الدفاع للمتهمين إلى جانب رفع مستوى الوعي القانوني في المجتمع. إذا فهي تعنى بتمكين المنتفع من خلال توفير خدمات الدعم والتوجيه السليم الى المساعدات القانونية المتاحة بهدف تحسين الحماية القانونية للفرد وتمكينه من الوصول الى حقه في العدالة، وعادة ما يتم تقديمها للفئات المهمشة والمحرومة.

نطاق المساعدة القانونية

تهدف المساعدة القانونية إلى مساعدة المجتمعات المحلية من خلال التصدي إلى الإنتهاكات القانونية غير المشروعة التي تعكس إنتشار واسع النطاق للظلم والإجحاف وانتهاكات حقوق الإنسان وتحاول معالجة هذه الإنتهاكات من خلال:

  • توفير المعلومات لأفراد المجتمع بشأن القوانين والإجراءات الإدارية ذات الصلة وعرض الخيارات المتاحة لهم للوصول إلى خدمات العدالة إلى جانب تفسير التشريعات الجديدة التي تكون مجهولة التطبيق للفئات الاكثر ضعفا.

  • مساعدة أفراد المجتمع المحلي على حل مشاكلهم من خلال إستخدام التقنيات التي تشجّع على حل النزاعات دون اللجوء إلى المحاكم وذلك باستخدام إحدى وسائل حل النزاعات البديلة كالوساطة والتفاوض.

  • تثقيف المجتمع المحلي من خلال توعية الفرد حول حقوقه وتمكينه من تطوير حسّ الإعتماد الذاتي لديه فيما يتعلق بالمسائل القانونية وذلك من خلال تنظيم ورشات عمل وندوات لرفع الوعي العام وبناء قدرات الافراد والمجموعات، إلى جانب توزيع المنشورات والمواد المطبوعة من قبل مقدمي المساعدة القانونية واستخدام وسائل التواصل الإجتماعي للوصول إلى كل الفئات المستهدفة.

  • المساهمة في تدوين الإفادات وتقديم العون في التمثيل القانوني في كافة الدعاوى أمام المحاكم أو الهيئات الإدارية وبالتالي متابعتها حتى إغلاق الملف.

المعونة القضائية

تطرق المشرع اللبناني إلى مسألة المعونة القضائية ونظمها في قوانينه الداخلية المتفرقة.

  • فيما يتعلق بالقضايا المدنية أفرد المشرع اللبناني الفصل السابع للمعونة القضائية(م425 أ.م.م إلى م441 أ.م.م).

مفهوم المعونة القضائية

المعونة القضائية هي إجراء قانوني أقره المشترع لمصلحة الشخص الذي لا تمكنه حالته المادية من دفع رسوم ونفقات المحاكمة وأتعاب المحامي(المادة 425 أ.م.م ). يستفيد من المعونة القضائية من حيث المبدأ جميع الأشخاص الذين لهم حق الادعاء سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين، لبنانيين أو أجانب بشرطي الإقامة بصورة اعتيادية في لبنان والمعاملة بالمثل في الحالة الأخيرة.(م426 أ.م.م). يجوز طلب المعونة القضائية لأجل إقامة الدعوى الإبتدائية أو لأجل المدافعة فيها. كما أنَّه يجوز، ولو قدم للمرة الأولى، لأجل إستعمال طرق الطعن(م427).

شروط منح المعونة القضائية
  • الشرط الأوَّل: حالة المعان المادية التي لا تمكنه من دفع نفقات المحاكمة، إذ يتوجَّب على المعان إثبات عجزه عن دفع النفقات، ويتمُّ هذا الإثبات بأن يضم إلى طلبه شهادة من مصلحتي الواردات والخزينة في وزارة المالية تبيِّن الضرائب المباشرة التي يؤدِّيها، وشهادة من أيِّ سلطة محلية تُثبت عسره.

  • الشرط الثاني : أن لا يبدو من ظاهر النِّزاع أنَّ طالب المعونة غير محق في دعواه.

إلّا أنه لا يشترط في طالب المعونة القضائية أن يكون فقير الحال معدوم المال لا دخل له ولا مورد إطلاقاً، حتى يمنح المعونة القضائية، بل يكفي لذلك أن يكون معسراً في تسليف الرسوم التي تستلزمها المداعاة أمام القضاء.

كيفية تقديم طلب المعونة القضائية

 يقدّم طلب المعونة القضائية بإستدعاء، على ثلاث نسخ، مُعفى من كُلِّ الرسوم والنفقات إلى قلم المحكمة المختصة، مرفق بشهادة صادرة عن سلطة محلية تثبت عسره بالإضافة إلى شهادة أخرى صادرة عن مصلحتي الواردات والخزينة في وزارة المالية (مديرية المالية العامَّة) تفيد عن الضرائب المباشرة التي يؤدِّيها. (المادة 429 أ.م.م) فور تقديم الإستدعاء تُرسل النسخة الثانية إلى النيابة العامَّة لإبداء رأيها خلال مهلة خمسة أيَّام أمَّا النسخة الثالثة فترسل إلى الخصم الآخر الذي يحق له أيضاً إبداء رأيه خلال خمسة أيَّام أيضاً.(المادة 428 أم.م) بعد ذلك، تدعو المحكمة طالب المعونة وخصمه إلى جلسة تعقد في غرفة المذاكرة، وبعد ذلك تعمد المحكمة إلى درس الطلب والتدقيق في شروط قبوله من ناحيتي الشكل والموضوع، ومن ثم تصدر قرارها بالرفض أو القبول، ومن ثُمَّ يصار إلى إبلاغه إلى الخصمين وإلى النيابة العامة الإستئنافية (432 أ.م.م) وقرار المحكمة برفض الطلب أو قبوله قطعياً، لا يقبل أيّ طعن.

 اثار منح المعونة القضائية
  • أوَّلاً- تعيين محام مجاناً للدفاع عن المعان قضائياً فيبلّغ قرار منح المعونة القضائية إلى نقيب المحامين الذي بدوره يُعَيِّنُ أحد المحامين للدفاع عن مصالح المعان قضائياً (المادة 433 أ.م.م). وتكون مساعدة المحامي مجانيـة، فليس له أن يتناول أتعاباً من المعان(المادة 434 أ.م.م).  

  • ثانياً- إعفاء المعان من نفقات المحاكمة:  يُعفى المعان قضائياً من جميع نفقات المحاكمة، وبالتالي يُعفى من جميع الرسوم، وكذلك من جميع المصاريف المختصة بالتحقيق وتتحمَّل هذه المصاريف خزينة الدولة بدل المعان قضائياً (م 435 أ.م.م)

  • فيما يتعلَّق بالقضايا الجزائية:  

لكل شخص حق الدفاع عند توجيه أي تهمة جزائية له، وهذا الحق يتعلق بضمانات نزاهة المحاكمات بقدر تعلقه بحماية حق المتهم، وتوفير حق الدفاع هو التزام على الدولة كرسته العديد من الاتفاقيات والعهود الدولية، وبالتالي يتوجب على أي دولة تحترم التزاماتها أن تقوم بضمان تمتع كل فرد في المحاكمة العادلة ومن أهم ركائزها أن يتم تمثيله بمحام للدفاع عنه.

 وبالتالي فإن موادَّ متفرقة من قانون أصول المحاكمات الجزائية تفيد بضرورة تعيين محام للموقوفين، وأبرزها المادة 78 أ.م.ج. التي تنص على أنه “إذا تعذر على المدعى عليه تكليف محام فيعين له قاضي التحقيق محامياً أو يعهد بذلك الى نقيب المحامين”. بالإضافة الى المادة 241 المختصة بمحكمة الجنايات  والتي تنص على أنه “لا تجري المحاكمة في غياب محامي المتهم. إذا لم يعين المتهم محامياً له فلرئيس المحكمة أن يطلب من نقيب المحامين تكليف محام للدفاع عن المتهم أو أن يتولى تعيينه بنفسه”. إلى جانب تعديل المادة 47 من اصول المحاكمات الجزائية، التي تضمن حقّ المشتبه به بالإستعانة بإحدى النقابتين عبر القضاء وطلب معونة قضائية اذا لم يكن بإستطاعته توكيل محامٍ لحضور جلسة الاستجواب مع المشتبه به، وذلك في انتظار تنفيذ هذا التعديل.

تتلقى لجان المعونة القضائية في نقابتي بيروت وطرابلس الطلبات من قضاة التحقيق والمحاكم الجزائية والمدنية ومن السجون.

الفرق بين المساعدة القانونية والمعونة القضائية

  • المعونة القضائية هي أحد أشكال المساعدة القانونية.

  • المعونة القضائية تُمنح بموجب حكم صادرعن المحكمة يُبلّغ إلى نقيب المحامين ليعين احد المحامين للدفاع عن مصالح من نال تلك المعونة أما المساعدة القانونية تُمنح مباشرة لطالب المساعدة.

  • المعونة القضائية تتولى خدمات التمثيل أمام القضاء لاجل اقامة الدعوى الابتدائية او لاجل المدافعة فيها أما المساعدة القانونية تتولى إلى جانب التمثيل القانوني توفير النصح والإرشاد والتوجيه القانوني النوعي إلى جانب تمثيل المستفيد أمام الجهات الإدارية.

  • المعونة القضائية تُقدّم لطالب المعونة بشخصه أما المساعدة القانونية تتخطى نطاق الفرد لتصل إلى مجموعات بأسرها عن طريق توفير التمكين المستدام للمستفدين ومساعدتهم على إدراك حقوقهم وتعزيز مصالحهم.

  • للمعونة القضائية هي إجراء قانوني بحت أما المساعدة القانونية هي وحدة وصل مجتمعية تساهم بسد الفجوة بين المجتمع والقانون وتحسين جودة الخدمات القانونية وتعزيز سبل تبسيطها وتوفيرها لشرائح المجتمع المستهدفة.

وأخيرا بغية توطيد “حق الوصول إلى العدالة” لا بدّ من تعزيز مبدأ الشفافية والرقابة الديمقراطية في إطار الحكم الرشيد وترسيخ دينامية التعاون القانوني والقضائي والإجتماعي على الصعيدين الداخلي والدولي. فالمشكلة ليست في القوانين التي ترعى وتنظم حسن سير المعونة القضائية إنما في غياب الثقافة القانونية بمفهوم المعونة القضائية عن الشريحة التي وضعت هذه المؤسسة في خدمتها إلى جانب غياب الحافز المالي وضعف التنظيم الإداري في الممارسات الفعلية.

لذا من أجل التوصل الى وضع نظام للمساعدة القانونية والمعونة القضائية يحاكي معايير حقوق الانسان ويحفظ لللإنسان الحق بالدفاع وتأمين المحاكمة العادلة لا بد من مأسسة المساعدة القانونية وتقنينها وإنشاء صندوق وطني يكون جزء من تمويله على عاتق خزينة الدولة والجزء الاخر من التبرعات لدعم تفعيل هذه المساعدة.

وإيمانا منا بأن تأمين المحاكمة المنصفة هي في صلب رسالة المحامي وجزء من تراث نقابة المحامين العريق في الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الأساسية لذا يقتضي تعزيز وتفعيل التعاون بين نقابتي المحامين والسلطة القضائية والجمعيات المعنية في سبيل تحسين نوعية الخدمة المقدمة.

لنتجه نحو مجتمع منفتح وإنشاء نظام قضائي متطور وخلق بيئة قانونية حديثة وفعالة تتماشى مع متطلبات العصر وترتبط إرتباطا وثيقا مع حاجات المجتمع مع إرساء نفحة انسانية تواكب حق كل انسان بالحرية والمساواة والوصول الى العدالة. وهل سنصل يوما ما إلى العدالة الإفتراضية كتقديم الشكوى عن طريق الانترنت أوتقديم عريضة أوتسليم المستندات؟

 

قائمة المراجع
  • المساعدة القانونية في لبنان، المركز اللبناني لحقوق الانسان، 2014

  • مقدمو المساعدة القانونية المجتمعيون، مبادرة المجتمع المنفتح للعدالة، 2010

  • الحق في محاكمة عادلة في لبنان، منظمة “ألف – تحرك من أجل حقوق االنسان” بالتمويل من الاتحاد الاوروبي،

  • مرقص بول، حق الفقراء باللجوء إلى القضاء: المعونة القضائية،2013

  • دليلك في المعونة القضائية، مقالات، International News Network، 2019

  • العظمي زكرياء، المساعدة القضائية والقانونية بين منطوق النص القانوني ومدى فعاليتها في المحاكم المغربية، 2020

  • كنول غابرييلا، تقرير المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين حول أهمية المساعدة القانونية، 2013

باميلا فرانسيس
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *