الصلة السببية في قانون العقوبات اللبناني

حدد المشترع اللبناني في المادة ٢٠٤ من قانون العقوبات اللبناني “إن الصلة السببية بين الفعل وعدم الفعل من جهة وبين النتيجة الجرمية من جهة ثانية لا ينفيها إجتماع أسباب أخرى سابقة أو مقارنة أو لاحقة، سواء جهلها الفاعل أو كانت مستقلة عن فعله.

ويختلف الأمر إذا كان السبب اللاحق مستقلاً وكافياً بذاته لإحداث النتيجة الجرمية. 

ولا يكون الفاعل في هذه الحالة عرضة إلا لعقوبة الفعل الذي ارتكبه”.

تعددت النظريات التي صاغها الفقهاء حول مشكلة الصلة السببية. إلا أن هنالك نظريتين اساسيتين في القانون المعاصر: نظرية تعادل الأسباب ونظرية السبب الفعال أو الملائم.

نظرية تعادل الأسباب تنص بمقتضاها أن جميع الأسباب التي تساهم في إحداث الجريمة تتعادل وتتساوى لجهة المسؤولية عن حدوثها، ويكون صاحب كل سبب مسؤولاً كالآخرين، سواء أكانت هذه الأسباب مألوفة أم نادرة الحصول، أو ناتجة عن فعل الطبيعة أو بفعل أي إنسان. إن مجرد مساهمة فعل الجاني في النتيجة تجعله مسؤولاً عن حدوثها. بحسب هذه النظرية لا تنقطع الصلة السببية. أما إذا تبين أن النتيجة كانت واقعة لا محال بغض النظر عن فعل الجاني، عندئذٍ تنقطع الصلة السببية بين فعل الجاني والنتيجة الحاصلة ولا يسأل عنها ويلقى عبؤها على من تسبب فيها[1].

من نتيجة هذه النظرية، لا تنقطع الصلة السببية ولو كانت الأسباب المتداخلة السابقة والمعاصرة واللاحقة، من فعل الآخرين. إعتبرت الغرفة السادسة من محكمة التمييز في قرار رقم ٢٥ عام ١٩٩٨ أن “المدّعي يعاني مرض القلب وارتفاعاً في ضغط الدم قبل أن يُقدم المدّعى عليه على ارتكاب فعله، ليس من شأنه رفع مسؤوليّة هذا الأخير عن واقعة النتيجة طالما أنّ الصلة السببية بين هذه النتيجة وبين الفعل الذي أقدم عليه المدعى عليه لم تنقطع”[2].

نظرية السبب الفعال أو الملائم تعتبر أن الفاعل يسأل عن النتيجة الضارة إذا كان فعله سبباً ملائماً لحدوثها وفقاً للمجرى العادي لوقائع الحياة المألوفة. وهو يسأل أيضاً عن كل النتائج المحتملة التي تترتب على فعله، طالما أن من المألوف والمعروف أن مثل هذه النتائج تنشأ عن هذا السبب المتمثل في فعل الفاعل. أما لو تداخلت في إحداث النتيجة أسباب نادرة لا تقع عادة إلا في النادر، فإن الصلة السببية تكون منقطعة بين فعل الجاني والنتيجة. معيار هذه النظرية معيار موضوعي لا شخصي، لأنه لا ينظر إلى الصلة السببية نظرة مجردة، كما أنه لا ينظر إلى شخص الفاعل كرجل عادي، وانما ينظر إليه نظرة موضوعية تنطلق من الشخص متوسط الذكاء[3].

إعتمد المشترع اللبناني نظرية تعادل الأسباب في الفقرة الأولى من المادة ٢٠٤ من قانون العقوبات اللبناني وعاد في الفقرة الثانية لينص على إستثناء وهو نظرية السبب الملائم ولكن ضمن شروط وهي أن يكون السبب اللاحق منتجاً ومستقلاً وكافياً لإحداث النتيجة الجرمية. 

إعتبرت الغرفة السادسة من محكمة التمييز في قرارها رقم ١٠ الصادر  بتاريخ ١٢/١/٢٠١٦ أن الطعنة بأنها كانت مؤثرة ولا تهدف الإيذاء بل ازهاق روح المجني عليه. ادلى وكيل الدفاع بأن وفاة المجني عليه سببها خطأ طبي جسيم يعود إلى الدم الذي أعطي له في مستشفى و إعتبرت المحكمة بأن الخطأ الطبي المتذرع به غير ثابت في تحقيقات الدعوى،  وعلى فرض التسليم جدلاً بأن ثمة خطأ حصل خلال المعالجة، فإنه ليس ما يدل على أنه تسبب في انقطاع الصلة السببية بين الطعنة، التي نفذت إلى الكبد وجرحته  وبين وفاة المجني عليه، وذلك لعدم توافر الشروط التي نصت عليها الفقرة الثانية من المادة ٢٠٤ من قانون العقوبات اللبناني و هي أن يحصل سبب لاحق للفعل الجرمي ومستقل عنه وأن يكون كافياً وحده لأحداث النتيجة الجرمية الأخيرة، وبالتالي يقتضي تطبيق نص الفقرة الأولى منها.وذلك لأن الطعنة في البطن والتي وصلت للكبد كانت بنية القاتل وإن الصلة السببية لم تنقطع مع النتيجة التي حصلت في المستشفى أي وفاة الضحية إذ لم يكن هنالك سبب لاحق مستقل وأدى إلى قطع الصلة السببية بين طعنة الجاني ووفاة المجني عليه.كما أن المحكمة إعتبرت أن النية كانت القتل وليس الإيذاء وبالتالي من المنطق إعتبار أن النتيجة كان سببها الطعنة في البطن ولا تأثير لواقعة جهل الفاعل للأسباب ولا لكونها مستقلة عن فعله. لذا وفاة المجني عليه كانت نتيجة مباشرة لطعنة الجاني وبالتالي إن إدلاء الفاعل بأن فعل المستشفى بإعطاء دم خاطئ كان سبب وفاة المجني عليه يُرَدّ. 

[1] س.عاليه, الوسيط في شرح قانون العقوبات, القسم العام, مجد, ٢٠١٠، ٢٥٤.

[2]  تمييز، غرفة ٦، قرار ٢٥، ٣/٢/١٩٩٨ كساندر ١٩٩٨، ج ٢، ص ١٨٠. 

[3] س.عاليه, الوسيط في شرح قانون العقوبات, القسم العام, مجد, ٢٠١٠، ٢٥٦.

سمعان سمعان
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *