الزراعةُ: حرفةٌ أم تجارة؟

يرجع تاريخ الزراعة في لبنان إلى عهد الفينيقيين الذين اشتهروا بزراعة الكرمة لصناعة النبيذ وتصديره إلى الدول المجاورة. فالزراعة ليست غريبة عن حياة اللبناني، خاصةً وأن طبيعة لبنان ومناخه المعتدل يساهمان في غنى محاصيله الزراعية. لكن القطاع الزراعي لم يلق الدعم اللازم خلال السنوات الماضية وقد إنعكس ذلك سلباً على عملية التبادل التجاري.

 ولعل الأزمة الإقتصادية الأصعب في تاريخ لبنان الحديث هي تلك التي يشهدها في العام ٢٠٢٠ بعد إنخفاض قيمة العملة الوطنية بشكل غير مسبوق وإرتفاع أسعار المنتجات الغذائية إرتفاعاً خيالياً. وأمام هذا الواقع شدّدت الأمينة التنفيذيّة “للإسكوا” على أهمية تعزيز النظم الغذائية المحلّية، كما دعت إلى دعم التجارة في السلع الزراعية.[1] وقد عاد اللبناني إلى زراعة أرضه:هناك من يزرع لتأمين استهلاكه الشخصي فيما  آخر يزرع ليبيع محصوله الزراعي أو لتحويله. 

فهل بيع المزارع لمحصوله الزراعي أو تحويله يعتبر عمل تجاري؟

قبل الغوص في معالجة طبيعة عمل المزارع لا بد من الإشارة إلى النقاط التالية:

  • تكمن أهمية التفريق بين العمل التجاري والعمل المدني في نواحٍ متعددة ترتبط جميعها بعنصري السرعة والإئتمان الذين يشكلان خصائص القانون التجاري.

  • إن قيام الشخص بعمل تجاري بشكلٍ متكرر ولحسابه الخاص يجعل منه تاجراً وأبرز ما يميّز التاجر عن الشخص المدني هو إمكانية إعلان إفلاسه.

  • إن المشرع لم يعط تعريفاً للأعمال التجارية الواردة في قانون التجارة اللبناني بل إكتفى بتعداد الأعمال التي تعتبر تجارية وذلك في المادتين ٦ و ٧ من القانون المذكور. وقد نصت المادة ٦ من قانون التجارة على نوعين من الأعمال التجارية وهي:  الأعمال التجارية المنفردة والأعمال التي تصدر ضمن نطاق مشروع والتي تعرف بالمشاريع التجارية. مع الإشارة إلى أن هذا التعداد هو على سبيل المثال لا الحصر.[2]

من أجل التمييز بين مزراع وآخر لمعرفة إذا ما كان عمله مدنياً أم تجارياً سنعرض الحالات التالية:

  • الحالة الأولى: بيع المزارع لمحصوله الزراعي

إن الأعمال الزراعية لا تعتبر في المبدأ أعمال تجارية، لذلك فإن بيع المزارع لمحصوله الزراعي يعتبر عملاً مدنياً. يعود ذلك إلى سببين رئيسيين هما:

 أولاً، إن الزراعة غير مسبوقة بعمليات شراء، أي أن المزارع لم يقم بشراء تلك المحاصيل قبل بيعها وبالتالي مع إنتفاء عملية الشراء بقصد البيع ينتفي إعتبار العمل تجارياً منفرداً.[3]

ثانياً، لكون المزارع لا يتوسط بين المنتج والمستهلك أي لإنتفاء عنصر الوساطة في تلك العملية.

 كذلك لا يعتبر شراء الأسمدة والبذور الذي يسبق عمليات بيع المحصولات الزراعية دليلاً على توفر عنصر الشراء وبالتالي لا يمنح شراء البذور والأسمدة الأعمال الزراعية الصفة التجارية لأنه:

 أولا،ً شراء الأسمدة والبذور لم يكن بقصد بيعها وإنما كان لأجل الإنتفاع بها واستعمالها في عملية الزراعة.

 ثانياً، إن عمليات تحويل هذه البذور والأسمدة إلى محاصيل زراعية لا يعد تحويل المواد بحلة جديدة لإعادة بيعها كون التحويل في العملية الزراعية يتم بفعل الطبيعة وقدرة الخالق ولا يتناول  تحويل صناعي.

 وبالتالي شراء الاسمدة والبذور لا يغير في وصف العملية الزراعية بل تبقى عملاً مدنياً. كذلك تكون في منزلة شراء الأسمدة والبذور كافة الأعمال التي تلحق بالبيع الزراعي والتي تعتبر من مستلزمات الزراعة ويطبق عليها القانون المدني كإستئجار الأرض الزراعية، شراء الأكياس لتخزين المحصول الزراعي، إيداع المحصول البرادات مؤقتاً حتى يصار إلى تصريفه وبيعه لاحقاً.[4]

  • الحالة الثانية: تحويل المزارع محصوله الزراعي

في حال اقترنت الزراعة بالتصنيع والتحويل أي إذا قام المزارع بتحويل محصوله الزراعي كتحويل الزيتون إلى زيت، فيكون المعيار المعتمد لتوصيف ذلك العمل هو بالنظر إلى طرق وأساليب التحويل والتصنيع. فإذا كان المزارع يقوم بتحويل محصولاته الزراعية عن طريق التحويل اليدوي البسيط فيعتبر عمله عملاً مدنياً. إن هذا المعيار في توصيف ذلك العمل أكد عليه الحكم الصادر عن القاضي المنفرد المدني في بعبدا[5] حيث قضي”إن تحويل حليب البقر إلى لبن لا يمكن إعتباره مشروع مصانع طالما يتم بطرق بدائية لا تتطلب سوى أعمال يدوية بسيطة ولا تفترض وجود آلات.” أمّا إذا كان المزارع يقوم بعمليات التحويل بواسطة الآلات والمعدّات المنتجة لكميات كبيرة فنكون أمام عملية تحويل قائمة بذاتها.

إن الأعمال الزراعية تعتبر أعمال تجارية إذا تمت على أساس الصناعة التي تتمثل في تحويل المواد الأولية إلى مواد مصنوعة أو نصف مصنوعة، كعمل المزارع الذي يستعمل آلة لإستخراج الزيت من الزيتون أو يزرع الكرمة لصناعة النبيذ. إن هذا المشروع هو مشروع الصناعة المنصوص عنه في الفقرة السادسة من المادة السادسة من قانون التجارة. فمشروع المصانع وإن يكن مقترناً بإستثمار زراعي يكون عملاً تجارياً، إلّا إذا كان تحويل المواد يتم بعمل يدوي بسيط.

 ومن المهم التفريق بين التحويل البسيط والتحويل عن طريق الآلات حيث يظهر الفرق من ناحية كمية الإنتاج الكبير في عمل المصانع وبالتالي تحقيق ربح أكبر،في حين يكون الإنتاج قليلاً والربح زهيداً إذا تم التحويل بالطرق اليدوية البسيطة. كذلك، يجب أن يتوافر في عمل المصانع عنصر المضاربة على عمل الغير من خلال شراء عملهم لقاء أجر ثابت أي وجود عدد من العمال.[6] وكذلك، إذا كان العمل يتطلب آلات ومعدّات فإن المضاربة على عمل تلك الآلات يجعل من المشروع مشروعاً تجارياً[7].إن هذا ما يجعل مشروع المصانع المقترن بالنشاط الزراعي عملاً تجارياً.[8]

  • الحالة الثالثة: بيع المزارع للمواشي

إن قيام المزارع بشراء المواشي ثم تسمينها بقصد إعادة بيعها في الحالة التي لا تكون تلك المواشي مخصصة لخدمة الزراعة وتسهيلها، فإن عمله لا يعتبر عملاً مدنياً بل يعتبر عملاً تجارياً. في هذه الحالة يصبح شراء المواشي وتسمينها بقصد بيعها هو العمل الأصلي للمزارع وليس العمل الزراعي.[9]

    ويستخلص هذا التحليل من قرار صادر عن الغرفة الأولى لمحكمة التمييز المدنية[10] حيث قضت بأنه:”إذا كان المالك الذي يبيع المواشي الناشئة في أرضه أو المواشي التي يشتريها من أجل إستثمار أرضه لا يعد عمله مبدئياً عملاً تجارياً. إلا أن شراء المواشي وبيعها يتخذ طابعاً تجارياً إذا لم تكن هذه العملية من توابع الإستثمار الزراعي بل كانت مشروعاً رئيسياً مستقلاً.”

تجدر الإشارة إلى أنه لو كان المزارع يقوم بتربية المواشي على الأرض التي يزرعها ويقصد من ذلك خدمة وتسهيل عملة الزراعي ومن ثم يبيعها أو يبيع انتاجها، فيعتبر عمله عندئذٍ عملاً مدنياً لأنه تابع للإستثمار الزراعي الذي هو النشاط الرئيسي له، فتطبيقاً لمبدأ “الفرع يتبع الأصل” لكنا اعتبرنا تربية المواشي في هذا السياق عمل مدني يتبع العمل الأصلي الذي هو إستثمار الأرض الزراعية.

أخيراً، يبقى للزراعة فائدة كبيرة في أي إقتصاد سواء أكانت زراعة يدوية بسيطة أم تحولت إلى تجارة واقترنت بعمل المصانع. ولعل إرتباط الزراعة بالأمن الغذائي العالمي ما يجعل منها من أهم القطاعات الإنتاجية التي يجب أن تلقى دوماً الدعم اللازم. كما يجب تشجيع المزارع اللبناني على زيادة إنتاجه وبالأخص على تحويله إلى صناعات غذائية للحدّ من إستيراد لبنان لتلك البضائع. إن دعم الإنتاج المحلي أصبح أمراً مُلحّاً اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، فزراعة ارضنا نعمة يجب الإستفادة منها.

[1]  “الإسكوا: قد يتعذر على نصف سكان لبنان الوصول إلى احتياجاتهم الغذائية الأساسية”، <https://www.unescwa.org/ar/news>

[2] ا. عيد وك. عيد، الوسيط في القانون التجاري، المنشورات الحقوقية صادر، ج.١، ص 36.

[3] ا. عيد وك. عيد، الوسيط في القانون التجاري، المنشورات الحقوقية صادر، ج.١، ص 37.

[4] . ص.مغربل، القانون التجاري اللبناني، بيروت، ٢٠١٣، ص 82-84.

[5] . القاضي المنفرد المدني في بعبدا، حكم رقم ٢٧٦، تاريخ ١٤/٧/١٩٦٦، النشرة القضائية لسنة ١٩٦٦، ص ٧.

[6] ا. عيد وك. عيد، الوسيط في القانون التجاري، المنشورات الحقوقية صادر، ج.١، ص 58.

[7] م. العريني و م. الفقي، القانون التجاري، منشورات الحلبي الحقوقية، ص 103.

[8] . ص.مغربل، القانون التجاري اللبناني، بيروت، ٢٠١٣، ص 86-87.

[9] . ص.مغربل، القانون التجاري اللبناني، بيروت، ٢٠١٣، ص 85.

[10] . محكمة التمييز المدنية، الغرفة الأولى، قرار رقم ٢٦، تاريخ ٢/٤/١٩٦٤، مجموعة حاتم، جزء ٥٥، ص ٢٣، رقم ٢.

روزابيل سابا
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

2 thoughts on “الزراعةُ: حرفةٌ أم تجارة؟”

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *