lawyer, scales of justice, judge

الخداع

-ما هو تعريف الخداع؟

 إن الرضى ركن أساسي لصحة العقد، لذلك، حدد المشرع في قانون الموجبات والعقود (م.ع.) عيوب الرضى التي تؤثر على صحة العقد وتعرضه للإبطال. فالمادة ٢٠٢ م.ع. تنص على أن “الرضى يكون متعيباً … إذا … أخذ بالخدعة”. 

من هنا، إن الخداع عيب من عيوب الرضى نظمه المشرع في المادتين ٢٠٨ و٢٠٩ م.ع. إلا أنه لم يعطي تعريفاً له بل ترك الأمر للفقه والإجتهاد وإكتفى بتحديد أثره على العقد في حال تحققه. 

يمكن تعريف الخداع بأنه التصرف الصادر عن أحد طرفي العقد أو عن شخصٍ ثالثٍ والمتصف بالحيلة أو الكذب أو الإيهام وأوجد غلطاً في ذهن المتعاقد الآخر حمله على التعاقد، أي أنه لم يكن ليتعاقد لولا حصوله[1]

الركن المادي للخداع

 يتبين من تعريف الخداع أنه يتألف من ركنين: مادي ومعنوي. 

 يتمثل الركن المادي للخداع بكل تصرف) كالمناورات والحيل( يصدر عن الفاعل يهدف من خلاله إلى إيقاع المتعاقد الآخر في الغلط المؤدي إلى ابرام العقد. من المناورات والحيل المؤلفة للركن المادي للخداع نذكر: 

– إبراز أوراق مزورة أو إختراع أوراق أو افادات غير صحيحة كإقدام مجلس إدارة شركة مغفلة على نشر موازنة مغشوشة أو توزيع أرباح وهمية لحمل المتعاملين مع الشركة على التعاقد معها. 

– الإعلان الكاذب عن خدمات تقدمها بعض الشركات لمن يتعاقد معها ليتبين بعدها أن هذه الوعود كاذبة كشركات السفر التي تعد الجمهور بالاستحصال على إقامة في دولة معينة في حال التعاقد معها. 

 يجب الإشارة إلى أنه يجب التمييز بين الخداع الذي يخلق غلطاً في ذهن المتعاقد، أي المفسد للإرادة والرضى، وبين مجرد الكذب. فالكذب، لكي يعتبر خداعاً مفسداً للرضى، يجب أن يكون من شأنه أن ينطلي على الإنسان العادي فيوقعه بالغلط. بالتالي، فإن الكذب المتمثل بمجرد المبالغة في مزايا الشيء لا يعتد به، كالتاجر الذي يبالغ في مزايا البضاعة المعروضة للبيع ما دامت في حدود المعقول والعرف. أما إذا تناول الكذب صفات غير متوافرة في المبيع، إعتبر خداعاً. 

إن معظم صور الخداع تفترض تصرفاً إيجابياً، إلا أنه أحياناً قد يقدم الخادع على كتمان أمور هامة عن المتعاقد الآخر. فهل يعتبر الكتمان خداعاً؟ إستقر الإجتهاد على أن التكتم يجب أن يحصل بشأن أمر هام جوهري، لو علم به المتعاقد الآخر لما تعاقد، وكان المتكتم على علم بها وعلى علم بمدى تأثيرها على رضى الآخر[2]. مثال ذلك إخفاء عدم صلاحية أرض للبناء عن الشاري، أو إخفاء متعاقد في عقد الشراكة أنه في تصفية قضائية وما زال مديناً بمبلغ كبير من المال تجاه دائنيه. 

العنصر المعنوي للخداع

لتحقق الخداع، يجب أن تقترن التصرفات الخادعة بإرادة الخادع إحداث الغلط في ذهن المتعاقد الآخر بقصد حمله على التعاقد. إن ذلك يكفي لتحقق الركن المعنوي للخداع، فلا يشترط أن يكون الخادع قد أراد الإضرار بالمتعاقد الآخر. فغالباً ما يقصد الخادع تحقيق منفعة شخصية من وراء العقد.

مثال على ذلك، وأثناء الأحداث اللبنانية، عمد بعض المالكين إلى إختلاق ظروف خداعية لحمل المستأجرين على التنازل عن الإجارة لقاء تعويض زهيد. فقد أوهم أحد المالكين المستأجر بأن مسلحين سوف يستولون على الحي لتهجير من فيه، وقام ببعض التصرفات منها مرور مسلحين في الحي استأجرهم لهذه الغاية، مما أوجد في ذهن المستأجر إعتقاداً بصحة ما قاله له المالك، فتنازل عن الإجارة[3]. إن تنازله هذا حصل بواسطة الخداع مما يؤدي إلى بطلان عقد التنازل.

-ما هي شروط الخداع؟

 لكي يتحقق الخداع يجب توفر الشروط التالية: 

١- إستعمال الوسائل والطرق الاحتيالية بنية التضليل أي تحقق ركني الخداع المادي والمعنوي كما تم تفصيله أعلاه. كما يجب أن يكون هذا الخداع قد ألحق ضرراً بحق المتعاقد المخدوع، وقد نصت على هذا الشرط المادة ٢٠٩ م.ع عندما إعتبرت أن الخداع لا يؤدي إلى إبطال العقد إلا إذا كان الفريق الذي ارتكبه قد أضر بمصلحة الفريق الآخر. 

٢- إعتبار الخداع الدافع إلى التعاقد وذلك بحسب المادة ٢٠٨ م.ع. التي تنص على أن الخداع يعيب الرضى ويؤدي إلى إبطال العقد “إذا كان هو العامل الدافع إليه والحامل للمخدوع على التعاقد”. عادت هذه المادة وفرقت في فقرتها الثانية بين الخداع الأصلي والخداع العارض. فالخداع الأصلي هو الذي أدى مباشرةً إلى إنشاء العقد أما الخداع العارض فهو الذي يحدث تغييراً طفيفاً في بنود العقد الثانوية وشروطه غير الجوهرية دون أن يكون هو الدافع الحامل إلى التعاقد. والخداع العارض لا يعتد به لإبطال العقد. 

٣- صدور الخداع عن أحد طرفي العقد أو عن شخص ثالث. اقرت المادة ٢٠٩ م.ع. بطلان العقد لعلة الخداع في حالتين:

  • عند صدور الخداع عن أحد طرفي العقد.

  • عند صدور الخداع عن شخص ثالث شرط أن يكون الفريق الذي إستفاد من الخداع عالماً به، بإعتبار أن العلم ينزل منزلة الإشتراك في الخداع ويدل على سوء النية الذي يكفي بحد ذاته لترتيب المسؤولية[4]. بمعنى آخر، إذا صدر الخداع عن شخصٍ ثالثٍ وكان أحد المتعاقدين عالماً به، يعتبر وكأنه شريك فيه ويدل على سوء نيته مما يرتب المسؤولية ويؤدي إلى إبطال العقد.

  • تجدر الإشارة هنا إلى أنه في حال صدر الخداع عن شخص ثالث ولم يكن المستفيد من الخداع عالماً به بتاريخ إنشاء العقد، فلا يعود حينها للمتعاقد المخدوع أن يطالب بإبطال العقد. بل يمكنه فقط أن يطالب الشخص الثالث الذي صدرت عنه هذه المناورات الاحتيالية بالتعويض عن الضرر اللاحق به وذلك بالإستناد إلى قواعد المسؤولية التقصيرية وسنداً لأحكام المادة ٢٠٩ م.ع. 

[1] م. العوجي، العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، ط ٥، ٢٠١١، ج ١، ص ٣٧٩.

[2] م. العوجي، العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، ط ٥، ٢٠١١، ج ١، ص ٣٨٥.

[3] المرجع السابق، ص ٣٨٩.

[4] خ. جريج، النظرية العامة للموجبات، صادر، ط ٣، ١٩٧١، ج ٢، ص ١٤٩.

مارينا ابراهيم

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *