آفاق التعديلات الدستورية منذ الإستقلال حتى اليوم

تنقسم الدساتير من حيث إجراءات تعديلها إلى مرنة و جامدة.الدستور المرن هو الدستور الذي يمكن تعديله بواسطة السلطة التشريعية أي بذات الطريقة التي تعدل بها القوانين العادية. و من أكثر الأمثلة شيوعاً هي الدساتير العرفية.

أما الدستور الجامد فهو الذي يتطلب اجراءات معقدة لتعديله والمنصوص عليها في النص نفسه[1]. الهدف من جمود الدستور هو تأمين الثبات والإستقرار. ومن الأمثلة على الدساتير الجامدة: الدستور الفرنسي والدستور اللبناني. 

إن الدستور اللبناني يتطلب تعديله اجراءات مشددة منصوص عليها في المواد ٧٦-٧٧-٧٨-٧٩ من الدستور اللبناني وهي تتضمن ثلاث مراحل: مرحلة إقتراح التعديل، مرحلة إعداد مشروع التعديل ومرحلة إقرار التعديل وإصداره. إلا اننا لن نطول بشرح هذه المراحل لوجودها واضحةً في المواد التي سبق وذكرناها.

نشير إلى أن الدستور اللبناني لا يتضمن نصوصاً تحرم تعديل بعض احكامه بشكل دائم. لذلك إن جميع احكامه يمكن أن تعدل. وقد تعرض الدستور منذ صدوره، للكثير من التعديلات وعلق العمل به مرتين. لن نقوم بذكر التعديلات الإستثنائية للدستور اللبناني لأنها تعديلات مؤقتة تتعلق بمدة الولاية لرئيس الجمهورية أو تسهيل عملية إنتخابه.

و أهم هذه التعديلات الدستورية هي: 

١- التعديل الدستوري في ١٧/١٠/١٩٢٧:  

إن هذا التعديل كان جذرياً والغاية الأساسية منه تعزيز السلطة التنفيذية التي كانت تحت سلطة الإنتداب. وهذه القواعد التي ساعدت على تعزيز دورها هي:

-جواز الجمع بين النيابة والوزارة ووجوب إختيار الأكثرية المطلقة في تشكيل مجلس الوزراء من داخل مجلس النواب. 

-إلغاء مجلس الشيوخ ودمج اعضائه بمجلس النواب الذي أصبح يضم فئتين من النواب: الفئة الأولى منتخبة وتشكل ثلثي الأعضاء والثانية معينة بمرسوم من رئيس الجمهورية وتشكل الثلث الأخير. 

-إقرار المسؤولية الجماعية عن سياسة الحكومة أمام مجلس النواب و المسؤولية الفردية للوزير عن اعماله الشخصية. 

-إقرار صلاحية رئيس الجمهورية بنشر مشروع الموازنة العامة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء في حالة تأخر المجلس عن اقراره قبل نهاية شهر قانون الثاني من كل سنة.

-صلاحية رئيس الجمهورية بفتح اعتمادات جديدة محددة.

-صلاحية رئيس الجمهورية في حلّ مجلس النواب بموافقة الحكومة لأسباب محددة في النص الجديد.

وغيرها من التعديلات المطولة إلا أن الهدف كان واضحاً: إضفاء التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. 

٢- التعديل الدستوري في ٨/٥/١٩٢٩:

مددت ولاية رئيس الجمهورية من ثلاث إلى ست سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد إنقضاء ست سنوات على إنتهاء ولايته.كما تم منح رئيس الجمهورية حق إختيار جميع أعضاء الوزارة من خارج مجلس النواب. كما كرس هذا التعديل حق رئيس الجمهورية المطلق في حل مجلس النواب على أن يكون معللاً بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء وبموافقته مجتمعاً[2]

٣) التعديل الدستوري في ١٨/٣/١٩٤٣:

إتخذ هذا التعديل من قبل الجنرال كاترو بقرار يتضمن إلغاء التعيين في المجلس النيابي و الإتجاه نحو إنتخاب أعضاء المجلس.

٤) التعديل الدستوري في ٩/١١/١٩٤٣:

كان الهدف من هذا التعديل تحرير الدستور من قيود الإنتداب أي إلغاء كل مادة دستورية متعلقة بالإنتداب الفرنسي وعصبة الأمم كما أصبحت اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة. إستفز هذا التعديل المفوض السامي فعلّق العمل بالدستور وإنطلقت ثورة الإستقلال بعد إعتقال رئيس الجمهورية وبعض الوزراء. 

٥) التعديل الدستوري في ٧/١٢/١٩٤٣: 

عدل بموجبه العلم اللبناني الذي كان العلم الفرنسي يتوسطه الأرزة اللبنانية وأصبح مما هو عليه اليوم أي خطين باللون الأحمر و خط باللون الأبيض يتوسطه الأرزة اللبنانية.

٦) التعديل الدستوري في ٢١/١/١٩٤٧:

أكمل التعديل السابق للإنتهاء من كل ما هو متعلق بالإنتداب الفرنسي والدعوة إلى إجراء إنتخابات نيابية. 

٧) التعديل الدستوري الكبير في ٢١/٩/١٩٩٠: 

إن هذا التعديل جاء تحت عنوان وثيقة الوفاق الوطني التي أدت إلى إتفاق الطائف وكرست فيه.حملت هذه الوثيقة أربعة عناوين تشتمل على أربعة مواضيع مهمة[3]: المبادئ العامة للإصلاحات، بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي والعلاقات اللبنانية السورية. لن نذكر بنود هذه الوثيقة التي يمكن الإطلاع عليها بل سنبدي ملاحظات عدة:

بعد مرور ثلاثين سنة على وثيقة الطائف، نلاحظ أن معظم البنود لم تطبق وبعض الأمثلة على هذه الانتكاسات: عدم وضع قانون عصري جديد للإنتخابات،عدم إعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة،عدم توفير التعليم للجميع وإعادة النظر في المناهج التعليمية،عدم بسط سيادة الدولة على كامل اراضيها وعدم تشكيل الهيئة الوطنية لإقتراح سبل لإلغاء الطائفية السياسية. كما أن التعديلات السابقة كانت فقط للتخلص من الإنتداب الفرنسي دون النظر إلى تطور القوانين اللبنانية. 

لذلك نلاحظ أن أهداف الطائف لم تحقق ولا زالت الممارسة خاطئة فبعض من وقع الإتفاق لم يلتزم فيه إلا اننا نؤمن أن هذا الإتفاق هو القاعدة الأساسية لبناء دولة القانون القائمة على الكفاءة والنزاهة والمحاسبة الشفافة بوجود جيل الشباب المناضل للتخلص من الحواجز الطائفية في جميع مرافق الدولة و إعطاء الفرصة لمن هم ذو كفاءة عالية يرفعون لبنان ليصبح دولة متقدمة بقوانينها المعاصرة.

[1] م.المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان وأهم النظم الدستورية والسياسية في العالم، منشورات الحلبي، ط.٤ ، ٢٠٠٢ ، ٢٢٧

[2] م.المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان وأهم النظم الدستورية والسياسية في العالم، منشورات الحلبي، ط.٤ ، ٢٠٠٢ ، ٢٢٨

[3] م.المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان وأهم النظم الدستورية والسياسية في العالم، منشورات الحلبي، ط.٤ ، ٢٠٠٢ ، ٢٤٠

سمعان سمعان
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *