التظاهر: بين حرية التعبير والقدرة على التغيير

يقول نيل بورتز[1]“تهدف حرّية التعبير إلى حماية التعبير غير المرغوب فيه، أما التعبير المرغوب فيه فبحكم تعريفه لا يحتاج إلى حماية.” التظاهر وسيلة ديمقراطية للتعبير عن الرأي لجأت إليها الشعوب عبر التاريخ. وتشكل أداة ضغط حضارية غالباً ما تُعتمد للإعتراض على سياسات الحكومات أو للمطالبة بتغيير واقعٍ معين يشكو منه المواطن. ومن الأسباب التي قد تدفع  إلى الإحتجاج: الفساد، غلاء المعيشة، فرض الضرائب، التغيّر المناخي…[2]

الحرّية ليست غريبة عن لبنان، كما أن التظاهر لطالما كان رفيق درب اللبنانيين. كيف لا، والشعب العاشق للحرّية يجد نفسه في كلّ محطات تاريخه مرغم على إنتزاع حقوقه وإستقلاله وسيادته، فلا يجد سبيلاً سوى التظاهر.

فما هو الإطار القانوني للتظاهر في لبنان؟

يستنتج أن التظاهر حقاً دستورياً كونه شكل من أشكال حرّية إبداء الرأي وهي من أهم الحرّيات العامة التي يحترمها لبنان كما جاء في الفقرة “ج” من مقدمة دستوره. فحق التظاهر لصيق بحرّية إبداء الرأي المكرسة صراحةً في المادة ١٣ من الدستور اللبناني. إن الدستور لم ينص على حق التظاهر ولكن كما أشرنا يستنتج ذلك من خلال إرتباط حق التظاهر بحرية إبداء الرأي.

تأكيداً على أن التظاهر حقٌ دستوريٌّ، لا بدّ من التوقف عند الفقرة “ب” من مقدمة الدستور لعرض ما يلي: لبنان عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وكذلك في منظمة الأمم المتحدة ويحترم مواثيقها. كما تؤكد الفقرة “ب” على أن الدولة اللبنانية تُجسد هذه المبادئ أي تلك الواردة في المواثيق العربية والدولية وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في جميع الحقول والمجلات دون إستثناء.

فماذا ورد في المواثيق العربية والدولية وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حول حق التظاهر؟
  • تنص المادة ٢٤ الفقرة ٦ من الميثاق العربي لحقوق الإنسان[3] على أنه “لكلّ مواطن الحق في حريّة الإجتماع وحريّة التجمع بصورة سلميّة”. وقد وقّعه لبنان سنة ٢٠٠٦ وصادق عليه سنة ٢٠١١. 

  • تنص المادة ١٩ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[4] على أنه “لكلّ إنسان حق في حريّة التعبير” والمادة ٢١ منه على أن “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به”. وقد إنضم إليه لبنان وصادق عليه سنة ١٩٧٢.

  • أكدت ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية[5] على ضرورة “أن يكون البشر أحراراً ومتحررين من الخوف” وبذلك تأكيد أيضاً على أهمية الحريّة. وقد إنضم إليه لبنان وصادق عليه سنة ١٩٧٢.

  • أمّا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[6] فتنص المادة ١٨ منه على أنه “لكلّ شخص حق في حرّية الفكر” والمادة ١٩ على أنه “لكلّ شخص حق التمتّع بحرّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”. والمادة ٢٠ أكدت على أنه “لكلّ شخص حق في حرّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية”.

يتّضح من خلال مصادقة لبنان على هذه الواثيق صونه لحق إبداء الرأي والتّجمع السلمي وتبعاً لهما لحق التظاهر لكلّ مواطن لبناني.

لكن هل من فئة لا تتمتع بحق التظاهر؟
  • بحسب المادة ١٥ من المرسوم الإشتراعي ١٩٥٩/١١٢ يمنع على الموظفين العموميين التظاهر أو الإضراب ضمن الوظيفة تحت طائلة ملاحقتهم تأديبيّاً وقضائيّاً وصرفهم.

  • كما يجرّم قانون العقوبات اللبناني في المواد ٣٤٠ إلى ٣٤٤ منه توقف المستخدمين أو العمال عن العمل بقصد الضغط على السلطات العامة أو للإحتجاج على قراراتها.

  • كذلك قيّدت المادة ٨٤ من قانون العمل اللبناني حق النقابات في التظاهر من خلال منعها من المشاركة بتظاهرات لها صبغة سياسية.

فهل من قيود مفروضة على ممارسة المواطن حقه بالتظاهر؟

صدر عن وزير الداخلية والبلديات القرار رقم ١٠٢٤ سنة ٢٠٠٦ لتنظيم عملية التظاهر. وفرض القرار تقديم عِلم وخبر بالتظاهرة المنوي حصولها إلى المحافظ وذلك قبل ثلاثة أيّام على الأقل من موعدها. ومن أبرز ما يجب أن يتضمنه هذا العِلم: سبب الدعوة للتظاهر، إسم الجهة الداعية وصفتها، الشعارات الأساسية التي ستطلق، ساعة انطلاقها وانتهائها، مكان تجمع المتظاهرين.

إن الحّرية المكفولة لممارسة حق التظاهر كأيّ حرّية أخرى تقف عند حدود حرّية وحقوق الآخرين. من هنا لا يحدّ حق التظاهر إلاّ إحترام حقوق الغير والتقّيد بالقوانين والأنظمة النافذة. خاصةً لجهة الحفاظ على الأمن القومي، الممتلكات العامة والخاصة، السلامة، الصحة والآداب العامة.

بعبارة أخرى ومنطقية: تظاهرات وتجمعات الشغب ممنوعة! 

يجرّم قانون العقوبات اللبناني في مواد متفرقة منه بعقوبة الحبس وبالغرامة: 

  • تظاهرات وتجمعات الشغب (المواد ٣٤٥ إلى ٣٤٨)

  • ضرب موظف أو معاملته بالعنف والشدّة، وهنا يندرج مثلاً ضرب القوى الأمنية المولجة حماية التظاهرات بالحجارة وغيرها (المادة ٣٨١)

  • هدم أو تخريب قصداً والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة (المواد ٧٣٠ إلى ٧٣٣)

  • تخريب الساحات والطرق العامة أو تعييبها(المادة ٧٥٠)

  • قطع الطريق العامة دون داعٍ ولا إذن من السلطة من خلال وضع أو ترك عليها أي شيء يمنع حرّية المرور وسلامته أو يضيقهما (المادة ٧٥١)

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى النقاط التالية: 

  • كما أن مبدأ حرّية الرأي والتعبير والتجمع السلمي حق لكلّ مواطن كذلك فإن مبدأ حرّية التنقل أيضاً حق كرّسته المادة ١٢ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إن قطع الطرقات العامة وسيلة ضغط على السلطات قد يلجأ إليها المتظاهر خاصةً عندما تنتهج السلطة تجاه مواطنيها سياسة صم الآذان. لن يكون من السهل المفاضلة بين حرية التظاهر من جهة وحرية التنقل من جهة أخرى خاصةً في لبنان حيث ألم المواطن يزداد مقابل تناقص الأمل.

  • يتبين من مراجعة النصوص القانونية التي تنظم عمل القوى الأمنية إلى عدم إستعمال القوة المفرطة مع المتظاهرين بل وجوب حمايتهم. لكن بالمقابل لا بد من إستعمال القوة في حالة الشغب وعند عجزها معالجة الأوضاع بالوسائل السلمية وذلك عملاً بقواعد الدفاع المشروع المنصوص عنها في المادة ١٨٤ من قانون العقوبات.

أخيراً، إن حق التظاهر السلمي لا بدّ من أن يبقى مصاناً في لبنان. فالقمع لا ينفع مع شعبٍ ورث الحرّية عن أجداده قبل أن يرث الأرض. وفي معرض الحديث عن الحرّيات في لبنان يتردد قول العظيم شارل مالك[7] “بدون الحرّية ما في لبنان”. أمّا الشغب والعنف فأفضل تعبيرٍ عن عدم الجدوى منهما قول غاندي[8] بأنّ “النصر الناتج  عن العنف هو موساوي للهزيمة إذ إنه سريع الإنقضاء.” فالتظاهر السلمي ربما يستغرق وقتاً أطول للوصول إلى التغيير المنشود، لكن النضال لمستقبلٍ أفضل يستلزم الصبر والعزيمة والكفاح والجهد. والأكيد أنه “إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجب القدر[9]“…

[1]  نيل أدولف بورتز (مواليد ١٩٤٥) هو كاتب أمريكي، محامٍ سابق، وصاحب البرنامج الحواري الشهير في الولايات المتحدة الأمريكية “The Neal Boortz Show” ،الذي تطرق فيه إلى العديد من المواضيع المثيرة للجدل وإنتهى عرضه سنة ٢٠١٣. 

[2] “أسباب الاحتجاجات حول العالم” <https://www.amnesty.org/ar> 

[3] وافق عليه مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمّة بقراره رقم ٢٧٠ د. ع. (١٦) بتاريخ ٢٣/٥/٢٠٠٤

<http://www.lasportal.org/ar/humanrights/committee/documents>

[4]  اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والإنضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) بتاريخ 16/12/1966 وأصبح نافذ بتاريخ 23/3/1976 <https://www.ohchr.org/ar>

[5] اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والإنضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) بتاريخ 16/12/1966 وأصبح نافذ بتاريخ 3/1/1976<https://www.ohchr.org/ar>

[6] بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف بتاريخ 10/12/1948  <https://www.un.org/ar>

[7] شارل حبيب مالك (١٩٠٦-١٩٨٧) هو سياسي ودبلوماسي ومفكر لبناني. كان العربي الوحيد الذي شارك في صياغة وإعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام ١٩٤٨، بصفته رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي التابع للأمم المتحدة. شغل منصب وزير الخارجية اللبنانية (١٩٥٦-١٩٥٨) ومنصب وزير التربية والفنون الجميلة (١٩٥٦-١٩٥٧).

[8] موهانداس كرمشاند غاندي (١٨٦٩-١٩٤٨) الملقب “بالمهاتما” أي “الروح العظيمة”. هو سياسي بارز والزعيم الروحي للهند خلال مرحلة استقلالها عن بريطانيا في القرن العشرين. أسس وإشتهر بما يعرف “بالمقاومة السلمية” أو “فلسفة اللاعنف” (الساتياغراها) وتهدف إلى هزم المحتل من خلال العصيان المدني والإعتصام السلمي.

[9] بيت من قصيدة “ارادة الحياة” التي نظمها أبو قاسم الشابي سنة ١٩٣٣. هي من أشهر القصائد في الشعر العربي الحديث.

روزابيل سابا
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

4 thoughts on “التظاهر: بين حرية التعبير والقدرة على التغيير”

  1. فادي الحميدي

    بكل أسف أن معظم دول العالم الثالث رغم توقيعها على المعاهدات و المواثيق الدولية ، إلا أنها تنكث بعهودها تجاه شعوبها و القلة القليلة فقط تحترم تعهداتها تجاه شعوبها .

    1. كلام صحيح! على أمل أن تحمل الأيام المقبلة المزيد من النمو والإستقرار والحرية لكافة تلك الشعوب وبالأخص لشعوب الدول النامية التي هي في نضال مستمر لتحصيل أبسط حقوقها. إن ذلك يحتاج إلى
      ! المزيد من الوعي والثقافة والصبر علنا نبصر غداً أفضل

  2. Maria Elena Al Asmar

    نعم وألف نعم، الحرّيّة مصانة في قوانيننا الدّاخليّة كما في المعاهدات الدّوليّة التي وقّع عليها لبنان. مهمٌّ جدًّا إدراك أنّ حرّيّة لا يمكن أن تنجح إن لم تحترم الأنظمة والقوانين، وإلّا سادت شريعة الغاب ونعود عندها إلى حالٍ أسوء ممّا كنّا عليه!
    التّظاهر إلزامي للتّطوير والتّحسين، و، كما قلتي، يستلزم صبرًا وجهادًا طويلًا… اللبنانيون لم يُنعتوا ب”الشّعب العنيد” عن عبث، وهذا هو أملنا،
    “our determination”
    ووعي الأجيال الصّاعدة المتشرّبة الحسّ الوطنيّ والتّحرّريّ منذ الصّغر!
    Well done in explaining these simple yet important legal problematics, dear colleague!

    1. Thank you so much dear Maria Elena. Counting on determined people like you to make a difference in the future of our country!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *