التحرش الجنسي الإلكتروني

لا شك أن جريمة التحرش الجنسي كانت ولازالت من أخطر وأقدم الظواهر الاجتماعية، ومع التقدم الهائل الذي شهده العالم في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية تطورت أشكال التحرش الجنسي لتنتقل من المجتمع الواقعي إلى العالم الإفتراضي. إذ أصبحت وسائل التواصل الإلكترونية تشكل أرضًا خصبة لفئة من المنحرفين ينشطون بشكل عصابات أو أفراد لاصطياد ضحياهم وبالتالي تسخير الفضاء الرقمي لخدمة منافعهم المالية أو الجنسية؛ هذا ما عُرف بالتحرش الجنسي الاكتروني.

إزاء هذا الواقع،  تفاقمت في الآونة الأخيرة أعداد شكاوى التحرش والابتزاز الجنسي الواردة عبر وسائل مواقع التواصل الاجتماعي بحيث أضحت شبكة الإنترنت البيئة المغرية والمحفّزة لانتشارهذا النوع من الجرائم وذلك لارتباطها بعامل غياب هوية الفاعل وتخفيه بالأساليب الملتوية والإحترافية التي يصعب أحيانا رصدها وتعقبها على الفور.

فما هو مفهوم التحرش الجنسي الإكتروني؟ وهل من قانون خاص في التشريع اللبناني يجرم ويعاقب مرتكبي الفعل؟ وما هو الإبتزاز الإكتروني ؟ أهو جرم منفصل عن التحرش الجنسي أو من قبيله؟

اعترف المشرّع في لبنان للمرّة الأولى في تاريخه بمصطلح “التحرّش الجنسي” وعرّفه إستنادا إلى نص المادة (١) من قانون٢٠٥/٢٠٢٠ الذي يرمي إلى تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه بما يلي: “التحرش الجنسي هو أي سلوك سيء متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل إنتهاكا للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحية في أي مكان وجدت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تم التحرش بما في ذلك الوسائل الاكترونية”.

تنبّه المشرع في نص هذه المادة بتوسعه لنطاق حالات التحرش الجنسي لتشمل أيضا الوسائل الإكترونية دون التوسع بتفسرير هذه الاخيرة علما أن التحرّش الالكتروني يختلف عن أنواع التحرّش في إطار العمل أو الأماكن العامة أو المدراس نسبةً إلى خطورته وسرعة وسهولة إرتكابه. ويتحقق التحرش الإكتروني عبر إستخدام شبكة الانترنت أو وسائل الاتصال الحديثة للتواصل مع الضحية دون أن يشتمل فعل التحرش على الاتصال الجسدي إلا أنه يُرتكب بقصد إيذائها والإضرار بها. لتصبح الضحية فرسية سهلة لابتزازها أوتهديدها بغية الحصول على مكسب مادي أو معنوي أو استغلالها جنسياً؛ وهذا ما عُرف بالابتزاز الجنسي الاكتروني أحد أشكال التحرش الجنسي الاكتروني.

لم يحدد القانون اللبناني أنماط التحرش الجنسي الإكتروني، إلا أنه أمكن إستخلاصها من وقائع الافعال المرتكبة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بحيث يتمثل التحرّش اللفظي في إرسال الكلمات الخادشة للحياء أو إقامة مكالمات صوتية بكلمات ذات طبيعة جنسية أو إستخدام النكات والتعيقات الجنسية. ويتمثل التحرش البصري من خلال إرسال الصور والمقاطع الجنسية والطلب من الضحية الكشف عن أجزاء من جسدها أو قيام المتحرش بإرسال صور أو فيديو له وهو في أوضاع مخِلَّة بالآداب.أما التحرش بالإكراه فيتمثل من خلال اختراق جهاز الاتصال الخاص بالضحية والحصول على صور خاصّة ومعلومات شخصيّة عنها، ومن ثم  التهديد والابتزاز بنشر الصور، أو التشهير عبر الوسائل الإلكترونية المختلفة وذلك من أجل إجبار الضحية على الموافقة على اللقاء بالمتحرش على أرض الواقع .

قبل صدور قانون٢٠٥/٢٠٢٠ أمكن تكييف جرائم التحرش والابتزاز الاكتروني قانونياً وفقا لقانون  المعاملات الاكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الصادر في ١٠/١٠/٢٠١٨ بحيث أدخل تعديلات على بعض المواد القانونية التي تنص على جرائم تحصل بواسطة الوسائل الاكترونية.

عدّل هذا القانون بمادته ١١٨ المادة  ٢٠٩ من قانون العقوبات اللبناني بنبذتها الثالثة وأدخل عليها النشر عبر الوسائل الاكترونية على النحو التالي: “تعد وسائل نشر: الكتابة والرسوم واللوحات والصور والأفلام والشارات والتصاوير على اختالفها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معَّرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع او وزعت على شخص أو اكثر ايا كانت الوسيلة المعتمدة لذلك بما فيها الوسائل الاكترونية”.

علاوة على ذلك شكلت تعرضا للاداب او الاخلاق العامة (المواد ٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣ عقوبات) إذ أن شبكة الانترنت اضحت شبكة عامة ومباحة للجمهور وعلنية ويمكن اعتبارها من الوسائل الآلية المحددة في المادة ٢٠٩ عقوبات. إذ أن بث الصور والمشاهد الإباحية عبر شبكة الانترنت عرضة للالتقاط من ملايين المشتركين بحيث يكون شرط العلنية متحققا.

والجدير بالذكر أن نص المادّة ٦٥٠ عقوبات تبنّت جرائم التهديد والابتزاز مثل فضح معلومات وإفشاء أخبار من شأنها أن تنال من قدر الشخص أو شرفه أو من قدر أحد أقاربه بغية جلب منفعة للجاني أو لغيره غير مشروعة. وبالتالي يمكن تطبيق نص هذه المادة على المعلومات التي تم الاستحصال عليها عبر الإنترنت بغية إبتزاز الشخص المهدّد لان النص لا يشير الى مصدر المعلومات التي تستعمل في التهديد او الابتزاز.

وأخيرا وفقا للقانون الجديد ٢٠٥/٢٠٢٠ أقرّت عقوبة التحرش الجنسي  بالحبس بين شهرين وعامين أو دفع غرامة مالية تتراوح بين ثلاثة وعشرين ضعف الحد الادنى للأجور ويعود للقاضي الحكم بهاتين العقوبتين أو إحداهما. كما تضاعفت العقوبة لتصل إلى حبس من عامين إلى اربع سنوات وغرامة تترواح بين ثلالثين وخمسين ضعف الحد الادنى للأجور إذا وقع الجرم على حدث أو شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها من الحالات المحددة حصرا في المادة الثانية (ج) من هذا القانون.

لا ننكر الخطوة الهامة التي أحرزها إقرار القانون الجديد الرامي إلى تجريم التحرش الجنسي، بإتجاه تمكين حقوق الانسان ومنعها من التعرض للإعتداء والإنتهاك إلا أنه ركّز على بيئة العمل ولم يتوسع في مجال التحرش الجنسي الإكتروني.

 فأحيانا تشابك القوانين وتفرّق النصوص حيال جرم واحد يحمل تأويلا رماديا تضيع في أحضانه الغاية الأسايسة من التشريع ألا وهي تأمين الحماية وفرض العقاب اللازم والمناسب بحق الجاني. على الرغم من أن بعض الجرائم في مجال المعلوماتية يمكن المعاقبة عليها بموجب النصوص المرعية الإجراء في القانون اللبناني إلا أن القسم الأكبر من تلك الأفعال يمكن أن يبقى من دون عقاب لعدم وجود النصوص القانونية لتجريمه. فإن العمل الحقيقي يتبلور من خلال إقرار قانون خاص بالعنف الجنسي الالكتروني بما له من خصوصية وجوانب مختلفة .

إلى جانب تفعيل دور المدارس والجامعات والجمعيات حول التوعية بجرائم تقنية المعلومات من اجل التصدي للتحرش الجنسي والإبتزاز الإلكتروني، إذ أنه لا يمكن تجاهل  أهمية دور الإعلام الفاعل في توعية الجيل الصاعد حول هذه القضية التي اصبحت تقلق الكثيرين وخاصة الإناث، كما أنّ هناك اهمية كبرى للدور الامني المتمثل عبر مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في وحدة الشرطة القضائية في تفعيل  الرقابة المشددة وتنظيم حملات توعية أمنية  تحذر من خطورة هذه الجرائم الإلكترونية.

قائمة المراجع:
  • طوابية وئام و ماجن أسماء، التحرش الجنسي عبر االنترنت، جامعة الجياللي بونعامة-خميس مليانة، ٢٠١٥.

  • إيهاب الحضري: الفضاء البديل، الممارسات السياسية والاجتماعية للشباب العربي على شبكة الإنترنت، مركز الحضارة العربية، الجيزة، ٢٠١٠.

  • رولى قطان، التحرش الجنسي في المنظور القانوني، المديرية العامة للدراسات والمعلومات مصلحة األبحاث والدراسات، ٢٠١٨.

  • أحمد محمد طلعت عبد الحميد ضرغام، التحرش الجنسي الاكتروني بالسيدات، ماهية وسبل مواجهته، كلية الحقوق جامعة الاسكندرية، ٢٠١٨.

  • كريم نمور، اثنتا عشرة ملاحظة على مقترح تجريم التحرّش في لبنان: مقاربة أخلاقية تحجب التعسّف في استغلال السّلطة، المفكرة القانونية،٢٠٢٠.
  • حسني إبراهيم عبد العظيم؛ التحرش الجنسي وتراجع منظومة القيم في المجتمع العربي، الحوار المتمدن، ٢٠١٣،http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=351611&r=0
  •  محمود عبد الحليم محمد سليمان، التحرش الجنسي الاكتروني، دراسة قي الانماط والدوافع، شبكة النبأ المعلوماتية، ٢٠١٨، https://annabaa.org/arabic/studies/13835.
  • القاضي فوزي خميس، جرائم المعلوماتية في ضوء القانون اللبناني والاجتهاد، https://www.unescwa.org/sites/www.unescwa.org/files/events/files/event_detail_id_2040_d11a.pdf
  • العنف المبني على النوع الاجتماعي في لبنان: قوانين غير ملائمة، سبل انتصاف غير فعالة، اللجنة الدولية للحقوقيين، https://www.icj.org/wp-content/uploads/2019/07/Lebanon-Gender-Violence-Publications-ARA.pdf
  • لبنان يُجرّم التحرش الجنسي… ثغرات وعوائق أكبر من القانون “الهدية” المُنتظَر، مقال، موقع رصيف٢٢.  
باميلا فرانسيس

2 thoughts on “التحرش الجنسي الإلكتروني”

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *