إعادة الإعتبار سبيلاً لتبييض السجل العدلي

يتضمن كل من الإنجيل المقدس كما القرآن الكريم آيات تبين أهمية المسامحة نذكر منها فَإِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلّاتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ زَلّاتِكُمْ”[1]، “وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” [2]. إن هاتين الآيتين وما تحملانه من معنى دينيّ عميق حول مسامحة الله العظيم لعبده الضعيف، شكلتا ركيزة أساسية لنشوء مبدأ إعادة الإعتبار في القوانين. فإن إعادة الإعتبار أو ما يعرف بتبييض السجل العدلي هو إجراء من شأنه إعادة الوضع القانوني والإجتماعي الطبيعي إلى شخص معيّن، فقده نتيجة محاكمة وحكم. فهو إذاً إجراء تسامح مقابل حسن سلوك المحكوم عليه الذي يكون قد قضى عقوبته.[3]

إن المشرع اللبناني قد عالج موضوع إعادة الإعتبار فحدد شروطه الأساسية والمرجع القضائي المختص بالنظر في طلبات إعادة الإعتبار والبت بها. في معرض بحثنا هذا سنعمد إلى دراسة هذا الموضوع في ضوء القوانين اللبنانية.

أولاً، بالنسبة لإعادة الإعتبار في القانون اللبناني:

نصت الفقرة الأولى من المادة ١٤٤ من قانون أصول المحاكمات الجزائية (أ.م.ج) أنه: ” يجوز إعادة الإعتبار إلى كل محكوم عليه بجناية أو بجنحة. يصدر القرار بذلك عن الهيئة الإتهامية التابع لها محل إقامة المحكوم عليه بناءً على طلبه.” إن هذه المادة حددت فئة الأشخاص الذين يخضعون لإعادة الإعتبار كما عيّنت بشكل واضح وصريح الهيئة الإتهامية كمرجع قضائي مختص للنظر بطلبات إعادة الإعتبار المقدمة أمامه. فيمكن منح إعادة الإعتبار بقرار قضائي لكل محكوم عليه بعقوبة جنائية أو جناحية غير أن العقوبات التكديرية أي المخالفات فلا يعاد الإعتبار فيها لأنها لا تظهر على السجل العدلي وبالتالي لا تؤدي إلى أي فقدان للأهلية.

لتحقق إعادة الإعتبار القضائية يفترض أن تكون العقوبة المحكوم بها صاحب الطلب قد انقضت إما بتنفيذها أو بسقوطها بمرور الزمن وإن هذا الأمر قد أكدت عليه المادتين ١٥٩و١٦۰ من قانون العقوبات (ق.ع). أيضاً، إن هاتين المادتين قد حددتا شروط إعادة الإعتبار من ناحية المهل بالشكل الآتي:

  • فالمادة ١٥٩ ق.ع أشارت أنه يفترض أن يكون قد انقضى على تنفيذ العقوبة سبع سنوات في الجناية وثلاث سنوات في الجنحة.

في حال كانت العقوبة هي التجريد المدني تحتسب المدة منذ تاريخ ابرام القرار. أما إذا كانت العقوبة هي الغرامة فتسري المدة منذ يوم الآداء أو انقضاء أجل الحبس المستبدل. ولا بد من الإشارة أنه إذا كان المحكوم مكرراً بالمعنى القانوني أو سبق له أن منح إعادة الإعتبار ضوعفت المدة.

  • أما المادة ١٦۰ق.ع نصت أن:“كل محكوم عليه بعقوبة جنائية مانعة او مقيدة للحرية يعاد اعتباره حكماً إذا لم يقض عليه في خلال سبع سنوات منذ انقضاء عقوبته بحكم آخر بالحبس أو بالإقامة الجبرية أو بعقوبة أشد.

وكل محكوم عليه بالغرامة الجناحية يعاد اعتباره حكماً إذا لم يقض عليه بحكم آخر بالغرامة الجناحية أو بعقوبة أشد في خلال خمس سنوات منذ الأداء أو انتهاء مدة الحبس المستبدل.”

ثانياً، بالنسبة لأصول تقديم طلبات إعادة الإعتبار:

إن المادة ١٤٤ أ.م.ج قد نصت أن إعادة الإعتبار تتم من خلال تقديم المحكوم عليه طلباً إلى الهيئة الإتهامية مربوطاً بصورة عن الحكم الصادر بحقه وسجلاً عدلياً على ان لا يكون قد مضى على تاريخه أكثر من شهر من تاريخ تقديم الطلب.

إن موقع قوى الامن الداخلي في لبنان قد حدد بشكل أوضح المستندات الواجب توافرها عند تقديم طلب إعادة الإعتبار أمام الهيئة الإتهامية إذ يفترض ان تشمل:

  • إفادة سكن من مختار محل إقامة صاحب العلاقة،

  • إفادة حسن سلوك من مختار محل إقامة صاحب العلاقة،

  • إفادة بتنفيذ الحكم وصورة عن الحكم من المحكمة الصادر عنها

  • وبيان سجل عدلي جديد.

ثالثاً، بالنسبة لإجراءات إعادة الإعتبار:

بحسب الفقرة الأخيرة من المادة ١٤٤ أ.م.ج فإن الهيئة الإتهامية تنتدب أحد اعضائها للتأكد من مدى توافر وتوافق الشروط القانونية لإعادة الإعتبار مع الطلب المقدم أمامها. فإما أن تقبل الهيئة الإتهامية الطلب فتبلغ صورة مصدقة عن قرارها إلى النائب العام الإستئنافي. يقوم هذا الاخير بتسليم قرار الشطب إلى مكتب السجل العدلي لتنفيذه. وإما أن ترد الهيئة الإتهامية طلب تبييض السجل العدلي وفي هذه الحالة يمنع على مقدم الطلب أن يقدم طلب جديد قبل مرور ٦ أشهر من تاريخ تبلغه قرار الرد. لا بد من الإشارة، أن هذه المدة كانت سابقاً سنة إلا أنه تم تعديلها.[4]

إذاً، عند منح المحكوم عليه إعادة الإعتبار يسترد هذا الأخير كافة الحقوق التي حرم منها كحق الإنتخاب، حق الشهادة، السلطة الأبوية وغيرها. أيضاً، تختفي الاحكام عن السجل العدلي رقم ٣ أي الجديد انما تبقى ظاهرة مع إعادة الإعتبار على السجل رقم ٢.[5]

كارين يمّين

[1] إنجيل متّى ٦:١٤.

[2] سورة التغابن الآية ١٤.

[3]ف. نصر، أصول المحاكمات الجزائية: دراسة مقارنة وتحليل، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط ١، ٢۰١٣، ص٦٦۰.

[4] ف. نصر، أصول محاكمات مدنية، دراسة مقارنة وتحليل، ص ٦٦٩.

[5]ع. شمس الدين، أصول المحاكمات الجزائية، ط ٤، ٢۰۰٦، ص ٢٩١.


المراجع البيبليوغرافية:
  • نصر ف.، أصول المحاكمات الجزائية: دراسة مقارنة وتحليل،المؤسسة الحديثة للكتاب،٢۰١٣.
  • شمس الدين. ع.، أصول المحاكمات الجزائية، 2006.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *