justitia, justice, case law

إخلاء السبيل: ضمانة لقرينة البراءة؟

الأعداد المتزايدة للموقوفين في السجون اللبنانية تطرح الكثير من الأسئلة حول التوقيف الإحتياطي من جهة وإخلاء السبيل من جهةٍ أخرى. كما تطرح سؤالاً بديهياً حول مدى إحترام قرينة البراءة في لبنان: فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته. إن طبيعة التوقيف الإحتياطي تتناقض مع قرينة البراءة حيث لا يمكن تنفيذ أي عقوبة قبل أن تُصدر المحكمة حكم الإدانة.

يتخذ قاضي التحقيق عدّة قرارات أثناء التحقيق ولعلّ ابرزها قرارات التوقيف وإخلاء السبيل.  فبعد أن يستجوب قاضي التحقيق المُدعى عليه ويستطلع رأي النيابة العامة يُمكن أن يصدر قراراً بتوقيفه وفقاً للشروط الواردة في المادة ١٠٧ من  قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني(أ.م.ج). لكن هذا التوقيف ليس بمثابة عقوبة كون المُدعى عليه لم تثبت ادانته بالجرم المنسوب إليه بعد. ويُفهم من نص المادة ١٠٧ أ.م.ج. أن المبدأ ليس التوقيف الإحتياطي وذلك تكريساً لقرينة البراءة فلا يجب أن يتم اللجوء إليه إلّا في ظل الشروط والحالات المنصوص عنها في المادة المذكورة.[1] فلا بدّ بعد إتخاذ قرار التوقيف من أن يتخذ قاضي التحقيق قراراً بإخلاء السبيل.

فمتى يتخذ قاضي التحقيق قرار إخلاء السبيل؟

وهنا يجب التمييز بين نوعيْن من إخلاء السبيل: الحُكمي والتقديري.

  • إخلاء السبيل الحُكمي أو إخلاء السبيل بحق:

 بحسب المادة ١١٣ أ.م.ج. يصبح من حق المُدعى عليه الموقوف أن يخلى سبيله حكماً بعد إنقضاء خمسة أيّام على توقيفه إذا:

  • كانت الجريمة من نوع الجنحة 

  • وكان الحد الأقصى للعقوبة لا يتجاوز الحبس مدّة سنتين 

  • وكان المُدعى عليه لبنانياً وله مقام في لبنان 

  • شرط ألّا يكون قد حُكم عليه سابقاً بعقوبة جرم شائن (كالسرقة، الإحتيال، سوء الإئتمان، الإغتصاب، الإتجار بالمخدرات…) أو بعقوبة الحبس مدة سنة على الأقل.

فمتى توافرت الشروط المذكورة يكون من واجب قاضي التحقيق أن يتخذ المبادرة ويخلي سبيل الموقوف حيث لا ضرورة لأن يتقدم المدعى عليه بإستدعاء يطلب فيه إخلاء سبيله. لكن ليس ما يمنع في حال لم يتنبّه قاضي التحقيق لمسألة توافر شروط إخلاء السبيل بحق أن يتقدم المُدعى عليه بذلك الطلب. 

إن قرار إخلاء السبيل بحق لا يشترط موافقة النيابة العامة عليه فهو يتم بقوّة القانون. لكن بالمقابل على المُدعى عليه المُخلى سبيله بحق أن يتعهد بحضور جميع معاملات التحقيق واجراءات المحاكمة وانفاذ الحكم. إن إخلاء سبيله لا يعني أنه بريء بل عليه أن يحضر لمتابعة التحقيق معه إلى حين صدور الحكم سواء بالبراءة أم بالإدانة.[2]

  • إخلاء السبيل التقديري:

بحسب المادة ١١٤ أ.م.ج. في جميع الجرائم الأخرى جناية كانت أم جنحة تتجاوز عقوبتها الحبس مدة سنتين، وإذا لم تتوافر شروط إخلاء السبيل بحق، يمكن لقاضي التحقيق، بعد إستطلاع رأي النيابة العامة، أن يقرر إخلاء سبيل المُدعى عليه الموقوف، على أن يتعهد هذا الأخير بحضور جميع معاملات التحقيق والمحاكمة وإنفاذ الحكم.

لكن ما هي عملياً مراحل صدور قرار إخلاء السبيل؟

  1. يقدم المُدعى عليه أو وكيله طلب إخلاء السبيل إلى قاضي التحقيق قبل صدور القرار الظني.

  2. تُبلغ نسخة عن الطلب إلى المدعي الشخصي في محل اقامته المختار ليبدي ملاحظاته عليه في مهلة 24 ساعةً من تاريخ تبليغه.

  3. بعد إنقضاء مدة 24 ىساعة على تبليغ المدعي الشخصي يحال الطلب إلى النائب العام ليبدي موقفه منه.

  4. عندها يصدر قاضي التحقيق قراره حول طلب إخلاء السبيل: فإما أن يقضي قراره بتخلية سبيل المُدعى عليه الموقوف وإما أن يرد الطلب.

من يحق له الطعن بهذا القرار؟ وكيف؟ وما هي المهلة لذلك؟

  • للمدعي الشخصي أن يستأنف قرار تخلية السبيل أمام الهيئة الإتهامية في خلال ٢٤ ساعة من تاريخ إبلاغه القرار.

  • للمُدعى عليه أن يستأنف قرار رد طلب تخلية سبيله أمام الهيئة الإتهامية في خلال ٢٤ ساعة من تاريخ إبلاغه القرار.

  • للنيابة العامة أن تستأنف القرار خلال ٢٤ ساعة من صدوره.

  • يقدم الإستئناف بواسطة قاضي التحقيق.

  • إن إستئناف قرار تخلية السبيل يوقف تنفيذه أي لا يتم إخلاء السبيل قبل أن تصدر الهيئة الإتهامية قرارها.

  • للهيئة الإتهامية مهلة ٢٤ ساعة للبت بالإستئناف.

بماذا يلزم قاضي التحقيق المُدعى عليه المُخلى سبيله؟

  • يلزم المُدعى عليه المُخلى سبيله بأن يتخذ محل إقامة مختار في المدينة أو البلدة التي يقع فيها مركز قاضي التحقيق وذلك في حال لم يكن له محل إقامة حقيقي فيها. 

  • يمكن أن يقرر قاضي التحقيق إخلاء السبيل لقاء كفالة أو بدونها.

فماذا تتضمن الكفالة؟

بحسب المادة ١١٤ أ.م.ج. تقسم الكفالة إلى أربعة أقسام:

  1. حضور المُدعى عليه معاملات التحقيق والمحاكمة وانفاذ الحكم.

  2. الغرامات والرسوم والنفقات القضائية.

  3. النفقات التي عجلها المدعي الشخصي. 

  4. جزءًا من التعويضات الشخصية.

يحدد قاضي التحقيق مقدار الكفالة ونوعها والمبلغ المخصص لكل من اقسامها ويمكنه تعديلها عند الاقتضاء. يمكن أن تكون الكفالة نقدية أو اسناداً على الدولة أو مصرفية أو تجارية أو عقارية.كما يمكن لكل من المدعي الشخصي والمُدعى عليه إستئناف الشق المتعلق بالكفالة من قرار إخلاء السبيل.

لكن يبقى السؤال الأبرز هل يمكن إعادة توقيف المدعى عليه المُخلى سبيله؟

يمكن لقاضي التحقيق، بعد إستطلاع رأي النيابة العامة، أن يصدر قراراً بتوقيف المُدعى عليه مجدداً  وذلك إذا ما استجدت أسباب هامة توجب توقيفه.[3]

تجدر الإشارة إلى أن المادة ١٠٨ تنص على مدّة للتوقيف لا بدّ من التقيّد بها:

  • ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين. يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد أقصى في حالة الضرورة القصوى.

  • ما خلا جنايات القتل والمخدرات والإعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلّل.

بناءً على ذلك، إذا بلغت مدة التوقيف تلك المحددة في المادة ١٠٨ أ.م.ج. فعلى قاضي التحقيق أن يخلي سبيل المُدعى عليه. وإذا كان الملف قد أصبح أمام مرجع آخر كالهيئة الإتهامية أم المحكمة فعليها أيضاً إخلاء السبيل.

حرص المشرع على تكريس قرينة البراءة فمنع التمادي بالتوقيف الإحتياطي ووضع قواعد واضحة لإخلاء السبيل. لكن واقع السجون يظهر عدم إحترام النصوص القانونية التي تضمن حرية المُدعى عليه: فترات طويلة من التوقيف الإحتياطي الذي يتحول إلى تعسفي في بعض الحالات، غياب المحاكمات لبعض الموقوفين، رد العديد من طلبات إخلاء السبيل… لا شك في أنه لا يمكن للقاضي إخلاء سبيل الموقوف قبل التحقيق معه. لكن من حق ذلك الموقوف أن تنتهي التحقيقات معه وتتم محاكمته ضمن مهلة زمنية “عادلة” لأن عدم إخلاء السبيل والإستمرار بالتوقيف بذريعة بطئ الإجراءات كعدم وجود آليات كافية لسوق الموقوفين إلى التحقيق مثلاً، تشكل في بعض الحالات نوعاً من “اللاعدالة”. فماذا لو إستمر توقيف احدهم مدة طويلة ليتبين بعدها أنه بريء؟ ماذا لو صدر الحكم وقضت العقوبة بفترة حبس أقل من الفترة التي امضاها المُدعى عليه موقوفاً؟ المطلوب ليس إخلاء سبيل جميع الموقوفين بل المطلوب الإسراع لا التسرع في التحقيقات والمحاكمات لأنه كما يقول مونتسكيو[4] “عندما تكون براءة المواطنين غير مضمونة تكون حريتهم أيضاً غير مضمونة.”

[1] ع. شمس الدين، أصول المحاكمات الجزائية، منشورات زين الحقوقية، ٢٠١٢، ص ٢٥٦ وما يليها.

[2] ع. شمس الدين، أصول المحاكمات الجزائية، ص 260 وما يليها.

[3]  المرجع السابق.

[4] شارل لوي دي سيكوندا المعروف بإسم مونتسكيو (١٦٨٩-١٧٥٥) هو قاضٍ وأديب وفيلسوف سياسي فرنسي. هو صاحب نظرية فصل السلطات المعتمدة اليوم في العديد من دساتير العالم.

روزابيل سابا
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *