أزمة نظام العمل الحزبي في لبنان

تحتل الأحزاب في عالمنا المعاصر موقعاً متميّزا في الحياة السياسيّة، إنطلاقا من الدورالرائد الذي تلعبه في تكوين إتجاهات الرأي العام، التأثير على السّلطة وصنع القرار. بالإضافة إلى تكوين نخب قادرة على تحمل المسؤوليات في الدولة ومؤسساتها الدستورية من خلال تنمية الوعي السّياسي والتثقيفي للأفراد والجماعات، إلى جانب تعميق الممارسة الدّيمقراطيّة السّليمة لدى الموطنين وضمان الحرّيات العامّة.

تَتَعّدد الأحزاب في بعض الدّول لتتبنى دول أخرى النظام الواحد. تبنّى لبنان نظام التعدّدية الحزبيّة وهو عبارة عن مجموعة أحزاب تتمّيز بعدم سيطرة أي حزب على أحزاب أخرى ما خلق نوع من التحالف فيما بينها من أجل الوصول إلى حكم البلاد. إلا انه حيث تنعدم  الممارسة الديمقراطيّة وتسود شخصنة السّلطة والسيادة المطلقة للحزب الحاكم نصبح أمام نظام الحكم الواحد (كالحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي)[1]. ونكون أمام نظام الثنائية الحزبيّة (كبلاد الأنجلو أميركية) عند سيطرة حزبين على الحياة السّياسيّة باستقطابهما اهتمام الناخبين ليتناوبان على حكم البلاد بعد فوز أحدهما بالأكثرّية في الإنتخابات العامّة[2]. ويتسم هذا النظام بالمرونة الواسعة بكسب المناقشات الداخلية والخارجية (التصويت في البرلمان) صفة حرية التعبير إلى جانب تجانس الحكومة بسبب تشكيلها من حزب واحد ما يعزز الشعور بالمسؤولية السياسية المطلقة لدى رئيس الحكومة لتحقيق الوعود التي قطعها الحزب على نفسه لجمهور الناخبين.

فما هو واقع النظام القانوني للأحزاب في لبنان ؟

يضمن الدّستور اللّبناني الصادر ١٩٢٦  حرّية إبداء الرأي وحرية الطباعة وحرية الإجتماع وتأليف الجمعيّات (مادة ١٣ دستور) إلا أن الدستور نفسه أعاد تنظيم حرية الاحزاب إلى قانون الجمعيات العثماني ١٩٠٩ رغم الفوارق الأساسية بين الاحزاب والجمعيات. إلا انه خلال الحرب اللبنانية صدر المرسوم الإشتراعي رقم ١٥٣ تاريخ ١٦/٩/١٩٨٣  الذي عدّل كل أحكام هذا القانون وأخضع الجمعيات إلى رقابة صارمة من الإدارة اللبنانية، ولكن تم إلغاء هذا القانون في ٢٣/٣/١٩٨٥ ليبقى التنظيم القانوني الذي وُضع في “عهد الإستعمار وكبت الحرّيات” هو المطبّق في عهد الإستقلال “عصر النور والحرّية” .

كرّس قانون ١٩٠٩ مبدأ الحرية في التأسيس وفي العمل الحزبي من دون أي ترخيص أو قيد مسبق فاختصرعلى إعلام السلطات اللبنانية المتمثلة بوزارة الداخلية، إلا أنه أغفل تناول المراحل المتتابعة لتأسيس وتشغيل الحزب السياسي من خلال تحديد الشروط التي تسمح بالتشغيل المؤسساتي للحزب والتي تحمي حقوق المنتسبين إليه. كما نجد أن قانون ١٩٠٩ حظّر على إنشاء حزب يكون من بين مبادئه المعلنة أو أهدافه المعلنة أي اتجاه عنصري أو مذهبي وهذا ما لم يعد مترجماً على أرض الواقع. بالإضافة إلى ذلك يشترط قانون ١٩٠٩ سن ال ٢٠ للإنتساب الى حزب سياسي وهذا ما لم يعد مواكبا للتطور المتسارع في الإتجاه العام دوليا نحو إقرار الحق في الإنتساب الى حزب سياسي منذ بلوغ سن الرشد أي سن ال ١٨ من العمر. وأيضا نص قانون ١٩٠٩ على وجوب مسك دفاتر وإبرازها للسلطات المختصة عند طلب ذلك إلا أنه لم ينظم كيفية اعتماد الشفافية المالية من خلال رصد أموال التمويل وأماكن الصرف بدقة، وإلى جانب غياب تام لنص يفرض الاحتكام الى القضاء في حال وجود أي مخالفات أو نزاعات.

وعلى الرغم من أن لبنان هو البلد الديمقراطي الأقدم في العالم العربي، فهو ما يزال يعاني من نواقص وعاهات في نظامه السياسي. فالصراع في لبنان وإن كان في بعض أوجهه إجتماعيّا وإقتصاديّا فكثيرا ما كان يتحوّل إلى صراع طائفي ودويلات ضمن الدولة الواحدة بسبب طبيعة النظام والواقع الذي نشأ فيه. إذ أنّ كثرة الاتجاهات والتعدد في الاحزاب ما هو الا صورة مصغرة على واقع وطننا الممزق، ما انعكس سلبا على تراجع  دور الأحزاب لتصطدم اليوم بأزمة جوهرية “ازمة فكر وأزمة رابط بينها وبين القواعد الشعبيّة”[3] .

فما هي الأسباب الكامنة وراء أزمة العمل الحزبي وعلاقته بالجماهير؟ وهل عدم إبصار النور حتى اليوم لقانون خاص يرعى وينظّم العمل الحزبي في لبنان مرتبط بهذه الأسباب ؟

تبقى الطائفية هي السمة الأساسية في تكوين أغلب الأحزاب اللبنانية وانقساماتها، فالطوائف اللبنانية هي جماعات مستقلة بأنظمتها وأحوالها الشخصية وباقتسام المقاعد التمثيلة والوظائف العامة[4]. فكانت الطائفية السبب الرئيسي لتبلور نظام حزبي تشرذمي وطائفي يؤمن المصالح الذاتيّة على حساب المصالح العامّة .

 خلو التنظيم القانوني للأحزاب من ضوابط قانونية جازمة في ظل التعطيل الفوري للضوابط الشعبية عن طريق سلاح الطائفية. بالإضافة إلى عدم فرض بنود تعزّز المواطنيّة على حساب الطائفية و عدم تمكن حسم  أولوية ولاء الحزب لدولة أجنبيّة .

ضعف الفكر التّحرري والاستراتيجي والثقافة المؤسساتية، لدى الفرد كما لدى المجتمع، واستبدالهما بولاءات ضيقة وإنتماءات بدائية على حساب الانتماءات والولاءات المدنية التي قوامها الوطن والمواطن.

غياب المراجعة النقديّة لتجارب الأحزاب السياسية والفكريّة والتنظيميّة، إلى جانب عدم إمتلاك رؤية سياسية واضحة للقضايا المركزيّة والإنغماس شبه المطلق في مساومات تتنافى مع مبادئ الأحزاب المعلنة[5].

 إلى جانب تردد فئة كبيرة من الشباب اليوم في اللإنخراط في الحياة الحزبية وذلك يعود لعدّة عوامل البعض منها؛ التناقض وعدم المصداقية بين ما تعلنه الأحزاب من مبادئ وما تتصرفه من أفعال وسياسات وبالتالي فقدان الثقة بهمم. أما البعض الاخر يتبلور بعامل الخوف من توجيه الإتهامات التي قد تلحقبهم كوصفهم بالتبعية العمياء أو الخوف على فقدان وظائفهم او لقمة عيشهم[6] ما أدى إلى خلق هوة كبيرة بين الأحزاب والجماهير.

لذلك فالتغيير هو سمة العصر والمطلوب اليوم هو تدخل الدولة الإيجابي في تنظيم الحياة الحزبية من خلال وضع قانون جديد للأحزاب يتماشى مع التطوّرات ليكون الاداة الحقيقيّة لتأمين النقلة النوعية في الساحة السياسية من ساحة حصص للطوائف الى ساحة وطنية تتنافس فيها الأحزاب في برامج وطنية فعّالة. إضافةً إلى وجوب إعادة نظر الأحزاب ببرامجها وتطلّعاتها وشروط العضويّة فيها وإعطاء اللأولوية في نشاطاتها للقضايا الداخلية من سياسية واقتصادية واجتماعية دون اهمال القضايا الفكرية والاستراتجية[7]. وأخيرا وليس آخرا إعتماد الشفافية أي أن تكون موارد الحزب كلها مذكورة مع المبالغ والمصاريف المرصودة لكل نشاط لإعادة بناء الثقة بين الأحزاب والموطنين.

ولكن هل يكفي تعديل هذه القوانين وسن تشريعات تغذّي التعددية الحزبية في ظل وجود أرض خصبة للتشرذمات الطائفية والإنقسامات المناطقية أم نحن بحاجة إلى تغيير جذري والتوجه نحو نظام الثنائية الحزبية؟

[1] مشورب إبراهيم، المؤسسات السياسية والإجتماعية في الدولة المعاصرة، دار المنعل اللبناني، 1998، ص 156 157

[2] الصمد رياض، مؤسسات الدولة الحديثة دراسة مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2003 ، ص 242

[3] مشورب إبراهيم، المؤسسات السياسية والإجتماعية في الدولة المعاصرة، دار المنعل اللبناني، 1998، ص  162

[4] ناصوري أحمد، التطور التاريخي للظاهر ة الحزبية في لبنان أهم مالمحها وأنماطها، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، رسالة، ص402

[5] فرنجية سايد، التاريخ لا ينتظر، دار أبعاد 2017، ص 65 66

[6] الصمد رياض، مؤسسات الدولة الحديثة دراسة مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2003 ، ص 260

باميلا فرنسيس
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى ذكر إسم الموقع و رابط المقال تحت طائلة الملاحقة القانونية.

 

 

Subscribe to our newsletter!

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *